فهرس الكتاب

الصفحة 152 من 1236

المسألة الخامسة: في بيان الحكمة في ورود هذا التكليف في النوم لا في اليقظة وبيانه من وجوه الأول: أن هذا التكليف كان في نهاية المشقة على الذابح والمذبوح ، فورد أولًا في النوم حتى يصير ذلك كالمنبه لورود هذا التكليف الشاق ، ثم يتأكد حال النوم بأحوال اليقظة ، فحينئذٍ لا يهجم هذا التكليف دفعة واحدة بل شيئًا فشيئًا الثاني: أن الله تعالى جعل رؤيا الأنبياء عليهم السلام حقًا ، قال الله تعالى في حق محمد صلى الله عليه وسلم:

{ لَّقَدْ صَدَقَ الله رَسُولَهُ الرؤيا بالحق لَتَدْخُلُنَّ المسجد الحرام } [ الفتح: 27 ] وقال عن يوسف عليه السلام: { إِنّى رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا والشمس والقمر رَأَيْتُهُمْ لِى سَاجِدِينَ } [ يوسف: 4 ] وقال في حق إبراهيم عليه السلام: { إِنّى أرى فِى المنام أَنّى أَذْبَحُكَ } [ الصافات: 102 ] والمقصود من ذلك تقوية الدلالة على كونهم صادقين ، لأن الحال إما حال يقظة وإما حال منام ، فإذا تظاهرت الحالتان على الصدق ، كان ذلك هو النهاية في بيان كونهم محقين صادقين في كل الأحوال ، والله أعلم .

ثم نقول مقامات الأنبياء عليهم السلام على ثلاثة أقسام منها ما يقع على وفق الرؤية كما في قوله تعالى في حق رسولنا صلى الله عليه وسلم: { لَتَدْخُلُنَّ المسجد الحرام } ثم وقع ذلك الشيء بعينه ، ومنها ما يقع على الضد كما في حق إبراهيم عليه السلام فإنه رأى الذبح وكان الحاصل هو الفداء والنجاة ، ومنها ما يقع على ضرب من التأويل والمناسبة كما في رؤيا يوسف عليه السلام ، فلهذا السبب أطبق أهل التعبير على أن المنامات واقعة على هذه الوجوه الثلاثة .

المسألة السادسة: قرأ حمزة والكسائي: { تَرَى } بضم التاء وكسر الراء ، أن ما ترى من نفسك من الصبر والتسليم؟ وقيل ما تشير ، والباقون بفتح التاء ، ثم منهم من يميل ومنهم من لا يميل .

المسألة السابعة: الحكمة في مشاورة الإبن في هذا الباب أن يطلع ابنه على هذه الواقعة ليظهر له صبره في طاعة الله فتكون فيه قرة عين لإبراهيم حيث يراه قد بلغ في الحلم إلى هذا الحد العظيم ، وفي الصبر على أشد المكاره إلى هذه الدرجة العالية ويحصل للابن الثواب العظيم في الآخرة والثناء الحسن في الدنيا ، ثم إنه تعالى حكى عن ولد إبراهيم عليه السلام أنه قال: { افعل مَا تُؤمَرُ } ومعناه افعل ما تؤمر به ، فحذف الجار كما حذف من قوله:

أمرتك الخبر فافعل ما أمرت [ به ] ... ثم قال: { سَتَجِدُنِى إِن شَاء الله مِنَ الصابرين } وإنما علق ذلك بمشيئة الله تعالى على سبيل التبرك والتيمن ، وأنه لا حول عن معصية الله إلا بعصمة الله ولا قوة على طاعة الله إلا بتوفيق الله .

ثم قال تعالى: { فَلَمَّا أَسْلَمَا } يقال سلم لأمر الله وأسلم واستسلم بمعنى واحد ، وقد قرىء بهن جميعًا إذ انقاد له وخضع ، وأصلها من قولك سلم هذا لفلان إذا خلص له ، ومعناه سلم من أن ينازع فيه ، وقولهم سلم لأمر الله وأسلم له منقولان عنه بالهمزة ، وحقيقة معناها أخلص نفسه لله وجعلها سالمة له خالصة ، وكذلك معنى استسلم استخلص نفسه لله وعن قتادة في أسلما أسلم هذا ابنه وهذا نفسه ، ثم قال تعالى: { وتله للجبين } أي صرعه على شقه فوقع أحد جبينيه على الأرض وللوجه جبينان ، والجبهة بينهما ، قال ابن الأعرابي التليل والمتلول المصروع والمتل الذي يتل به أي يصرع ، فالمعنى أنه صرعه على جبينه ، وقال مقاتل كبه على جبهته ، وهذا خطأ لأن الجبين غير الجبهة .

ثم قال تعالى: { وناديناه أَن ياإبراهيم قَدْ صَدَّقْتَ الرؤيا } وفيه قولان الأول: أن هذا جواب فلما عند الكوفيين والفراء والواو زائدة والقول الثاني: أن عند البصريين لا يجوز ذلك والجواب مقدر والتقدير: فلما فعل ذلك وناداه الله أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا ، سعد سعادة عظيمة وآتاه الله نبوة ولده وأجزل له الثواب ، قالوا: وحذف الجواب ليس بغريب في القرآن والفائدة فيه أنه إذا كان محذوفًا كان أعظم وأفخم ، قال المفسرون لما أضجعه للذبح نودي من الجبل: { ياإبراهيم قَدْ صَدَّقْتَ الرؤيا } قال المحققون: السبب في هذا التكليف كمال طاعة إبراهيم لتكاليف الله تعالى فلما كلفه الله تعالى بهذا التكليف الشاق الشديد وظهر منه كمال الطاعة وظهر من ولده كمال الطاعة والانقياد ، لا جرم قال قد صدقت الرؤيا ، يعني حصل المقصود من تلك الرؤيا .

وقوله: { إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِى المحسنين } ابتداء إخبار من الله تعالى ، وليس يتصل بما تقدم من الكلام ، والمعنى أن إبراهيم وولده كانا محسنين في هذه الطاعة ، فكما جزينا هذين المحسنين فكذلك نجزي كل المحسنين .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت