استئناف بياني ناشىء عن قوله { من ذا الذي يعصمكم من الله } [ الأحزاب: 17 ] لأن ذلك يثير سؤالًا يهجس في نفوسهم أنهم يُخفون مقاصدهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يشعر بمرادهم من الاستئذان ، فأُمر أن يقول لهم { قد يعلم الله المعوِّقين منكم } أي: فالله ينبىء رسوله بكم بأن فِعْل أولئك تعويق للمؤمنين . وقد جعل هذا الاستئناف تخلصًا لذكر فريق آخر مِن المعوّقين .
و { قد } مفيد للتحقيق لأنهم لنفاقهم ومَرض قلوبهم يشكّون في لازم هذا الخبر وهو إنباء الله رسوله عليه الصلاة والسلام بهم ، أو لأنهم لجهلهم الناشىء عن الكفر يظنون أن الله لا يعلم خفايا القلوب . وذلك ليس بعجيب في عقائد أهل الكفر . ففي «صحيح البخاري» عن ابن مسعود: «اجتمع عند البيت قُرشيان وثقفيّ أو ثقفيان وقرشي كثيرةٌ شُحمُ بطونهم قليلةٌ فِقهُ قلوبهم ، فقال أحدهم: أتُرَوْنَ أن الله يسمع ما نقول؟ قال الآخر: يسمع إذا جهرنا ولا يسمع إذا أخفينا . وقال الآخر: إن كان يسمع إذا جهرنا فإنه يسمع إذا أخفينا ، فأنزل الله تعالى: { وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جُلودكم ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرًا مما تعملون } [ فصلت: 22 ] فللتوكيد بحرف التحقيق موقع . ودخول { قد } على المضارع لا يخرجها عن معنى التحقيق عند المحققين من أهل العربية ، وأن ما توهموه من التقليل إنما دل عليه المقام في بعض المواضع لا من دلالة { قد ، } ومثله إفادة التكثير ، وتقدم ذلك عند قوله تعالى { قد نرى تقلب وجهك في السماء } في سورة البقرة ( 144 ) ، وقوله تعالى: { قد يعلم ما أنتم عليه } في آخر سورة النور ( 64 ) .
والمعوِّق: اسم فاعل من عَوّق الدال على شدة حصول العَوْق . يقال: عاقه عن كذا ، إذا منعه وثبطه عن شيء ، فالتضعيف فيه للشدة والتكثير مثل: قطَّع الحبل ، إذا قطعه قطعًا كبيرة ، { وغلَّقَت الأبواب } [ يوسف: 23 ] ، أي: أحكمت غلقها . ويكون للتكثير في الفعل القاصر مثل: مَوَّت المال ، إذ كثر الموت في الإبل ، وطوَّف فلان ، إذا أكثر الطواف ، والمعنى: يعلم الله الذين يحرصون على تثبيط الناس عن القتال . والخطاب بقوله { منكم } للمنافقين الذين خوطبوا بقوله { لن ينفعكم الفرار } [ الأحزاب: 16 ] .
ويجوز أن يكون القائلون لإخوانهم هلمّ إلينا هم المعوِّقين أنفسهم فيكون من عطف صفات الموصوف الواحد ، كقوله:
إلى الملك القرْم وابننِ الهمام ... ويجوز أن يكونوا طائفة أخرى وإخوانهم هم الموافقون لهم في النفاق ، فالمراد: الأخوة في الرأي والدين . وذلك أن عبد الله بن أُبَيّ ، ومعتِّب بن قُشير ، ومن معهما من الذين انخذلوا عن جيش المسلمين يوم أُحُد فرجعوا إلى المدينة كانوا يرسلون إلى من بقي من المنافقين في جيش المسلمين يقولون لهم هلمّ إلينا أي: ارجعوا إلينا . قال قتادة: هؤلاء ناس من المنافقين يقولون لهم: ما محمد وأصحابه إلا أكلة رَأس أي نفر قليل يأكلون رأس بعير ولو كانوا لَحْمًا لالتهمهم أبو سفيان ومن معه تمثيلًا بأنهم سهل تغلب أبي سفيان عليهم .
و { هلمّ } اسم فعللِ أمر بمعنى أقْبِل في لغة أهل الحجاز وهي الفصحى ، فلذلك تلزم هذه الكلمة حالة واحدة عندهم لا تتغير عنها ، يقولون: هلمّ ، للواحد والمتعدد المذكّر والمؤنّث ، وهي فعل عند بني تميم فلذلك يُلحقونها العلامات يقولون: هَلمّ وهلمّي وهَلُما وهَلمُّوا وهلْمُمْن . وتقدم في قوله تعالى { قل هلمّ شهداءكم } في سورة الأنعام ( 150 ) . والمعنى: انخذلوا عن جيش المسلمين وأقبلوا إلينا .
وجملة ولا يأتون البأس إلا قليلًا كلام مستقل فيجوز أن تكون الجملة حالًا من القائلين لإخوانهم { هلمّ إلينا . } ويجوز أن تكون عطفًا على المعوّقين والقائلين لأن الفعل يعطف على المشتق كقوله تعالى { فالمغيرات صُبحًا فأثَرْنَ } [ العاديات: 3 ، 4 ] وقوله: { إنّ المصَّدِّقين والمصَّدِّقات وأقرضوا الله } [ الحديد: 18 ] ، فالتقدير هنا: قد يعلم الله المعوّقين والقائلين وغيرَ الآتين البأس ، أو والذين لا يأتون البأس . وليس في تعدية فعل العلم إلى { لا يأتون } إشكال لأنه على تأويل كما أن عمل الناسخ في قوله { وأقرضوا } [ الحديد: 18 ] على تأويل ، أي: يعلم الله أنهم لا يأتون البأس إلا قليلًا ، أي: يعلم أنهم لا يقصدون بجمع إخوانهم معهم الاعتضادَ بهم في الحرب ولكن عزلهم عن القتال .
ومعنى { إلا قليلًا } إلا زمانًا قليلًا ، وهو زمان حضورهم مع المسلمين المرابطين ، وهذا كقوله { فلا يؤمنون إلا قليلًا } [ النساء: 46 ] ، أي: إيمانًا ظاهرًا ، ومثل قوله تعالى: { أم بظاهر من القول } [ الرعد: 33 ] . و { قليلًا } صفة لمصدر محذوف ، أي: إتيانًا قليلًا ، وقلّته تظهر في قلة زمانه وفي قلة غنائه .
و { البأس: الحرب وتقدم في قوله تعالى لِيُحصِنَكُم من بأسكم } في سورة الأنبياء ( 80 ) . وإتيان الحرب مراد به إتيان أهل الحرب أو موضعها . والمراد: البأس مع المسلمين ، أي: مكرًا بالمسلمين لا جبْنًا .