الصفحة 50 من 70

جَمَعَ بَيْن الأَمْرَيْنِ كَانَ حَسَنًا. وَاعْلَمْ أَنَّ نَهْيَ الصَّائِمِ عَنْ الرَّفَث وَالْجَهْل وَالْمُخَاصَمَةِ وَالْمُشَاتَمَة لَيْسَ مُخْتَصًّا بِهِ , بَلْ كُلّ أَحَد مِثْله فِي أَصْل النَّهْي عَنْ ذَلِكَ لَكِنَّ الصَّائِم آكَدُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. [1]

ترك قول الزور والعمل به:

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ ) ) [2]

وعنه: (( مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ وَالْجَهْلَ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ ) ) [3]

وأخرج الطَّبَرَانِيّ فِي الأَوْسَطِ عن أنس: (( مَنْ لَمْ يَدَعْ الْخَنَا وَالْكَذِب ) )وَرِجَالُهُ ثِقَات.

وَالْمُرَاد بِقَوْلِ الزُّورِ: الْكَذِبُ , وَالْجَهْلِ: السَّفَهُ , وَالْعَمَلِ بِهِ أَيْ بِمُقْتَضَاهُ كَمَا تَقَدَّمَ.

(فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ) قَالَ اِبْن بَطَّال: لَيْسَ مَعْنَاهُ أَنْ يُؤْمَرَ بِأَنْ يَدَعَ صِيَامَهُ , وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ التَّحْذِير مِنْ قَوْلِ الزُّورِ وَمَا ذُكِرَ مَعَهُ.

وَأَمَّا قَوْلُهُ (فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَة) فَلا مَفْهُومَ لَهُ , فَإِنَّ اللَّهَ لا يَحْتَاجُ إِلَى شَيْء وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ فَلَيْسَ لِلَّهِ إِرَادَةٌ فِي صِيَامِهِ فَوَضَعَ الْحَاجَةَ مَوْضِعَ الإِرَادَةِ , وَقَدْ سَبَقَ أَبُو عُمَر بْن عَبْد الْبَرّ إِلَى شَيْء مِنْ ذَلِكَ.

قَالَ اِبْن الْمُنَيِّرِ فِي الْحَاشِيَةِ: بَلْ هُوَ كِنَايَة عَنْ عَدَمِ الْقَبُولِ كَمَا يَقُولُ الْمُغْضَب لِمَنْ رَدَّ عَلَيْهِ شَيْئًا طَلَبه مِنْهُ فَلَمْ يَقُمْ بِهِ: لا حَاجَةَ لِي بِكَذَا , فَالْمُرَاد رَدّ الصَّوْم الْمُتَلَبِّس بِالزُّورِ وَقَبُول السَّالِم مِنْهُ , وَقَرِيب مِنْ هَذَا قَوْله تَعَالَى ( {لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى} مِنْكُمْ فَإِنَّ مَعْنَاهُ لَنْ يُصِيبَ رِضَاهُ الَّذِي يَنْشَأُ عَنْهُ الْقَبُول.

وَقَالَ اِبْن الْعَرَبِيِّ: مُقْتَضَى هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ مَنْ فَعَلَ مَا ذُكِرَ لا يُثَابُ عَلَى صِيَامِهِ , وَمَعْنَاهُ أَنَّ ثَوَاب الصِّيَام لا يَقُومُ فِي الْمُوَازَنَةِ بِإِثْم الزُّور وَمَا ذُكِرَ مَعَهُ.

وَقَالَ الْبَيْضَاوِيّ: لَيْسَ الْمَقْصُود مِنْ شَرْعِيَّةِ الصَّوْمِ نَفْس الْجُوعِ وَالْعَطَشِ , بَلْ مَا يَتْبَعُهُ مِنْ كَسْرِ الشَّهَوَات وَتَطْوِيعِ النَّفْسِ الأَمَّارَةِ لِلنَّفْسِ الْمُطْمَئِنَّةِ , فَإِذَا لَمْ يَحْصُلْ ذَلِكَ لا يَنْظُرُ اللَّه إِلَيْهِ نَظَر

(1) شرح مسلم.

(2) رواه البخاري في الصوم باب من لم يدع قول الزور (1903) ، والترمذي في الصوم (641) ، وأبو داود في الصوم (2015) ، وابن ماجه في الصيام (1679) ، وأحمد (9529)

(3) رواه البخاري في الأدب باب قول الله تعالى"واجتنبوا قول الزور" (6057) ، وابن ماجه في الصيام (1679) ، وأحمد (8529)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت