الصفحة 49 من 70

عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ يَتْرُكُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِي الصِّيَامُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا )) [1]

فَيَنْبَغِي لِلصَّائِمِ أَنْ يَصُونَهُ مِمَّا يُفْسِدهُ وَيَنْقُص ثَوَابه

(فَلا يَرْفُث) أَيْ الصَّائِم , وَالْمُرَاد بِالرَّفَثِ هُنَا الْكَلام الْفَاحِش , وَهُوَ يُطْلَق عَلَى هَذَا وَعَلَى الْجِمَاع وَعَلَى مُقَدِّمَاته وَعَلَى ذِكْره مَعَ النِّسَاء أَوْ مُطْلَقًا , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون لِمَا هُوَ أَعَمّ مِنْهَا.

(وَلا يَجْهَل) أَيْ لا يَفْعَل شَيْئًا مِنْ أَفْعَال أَهْل الْجَهْل كَالصِّيَاحِ وَالسَّفَه وَنَحْو ذَلِكَ. وَلِسَعِيدِ بْنِ مَنْصُور مِنْ طَرِيق سُهَيْل بْن أَبِي صَالِح عَنْ أَبِيهِ"فَلا يَرْفُث وَلا يُجَادِل"قَالَ الْقُرْطُبِيّ: لا يُفْهَم مِنْ هَذَا أَنَّ غَيْر الصَّوْم يُبَاح فِيهِ مَا ذُكِرَ , وَإِنَّمَا الْمُرَاد أَنَّ الْمَنْع مِنْ ذَلِكَ يَتَأَكَّد بِالصَّوْمِ.

(وَإِنْ اِمْرُؤٌ قَاتَلَهُ أَوْ شَاتَمَهُ) , وَفِي رِوَايَة صَالِح"فَإِنْ سَابَّهُ أَحَد أَوْ قَاتَلَهُ"وَلِأَبِي قُرَّة مِنْ طَرِيق سُهَيْل عَنْ أَبِيهِ"وَإِنْ شَتَمَهُ إِنْسَان فَلا يُكَلِّمهُ"وَلِسَعِيدِ بْن مَنْصُور مِنْ طَرِيق سُهَيْل"فَإِنْ سَابَّهُ أَحَد أَوْ مَارَاهُ"أَيْ جَادَلَهُ

وَفَائِدَة قَوْله"إِنِّي صَائِم"أَنَّهُ يُمْكِن أَنْ يَكُفّ عَنْهُ بِذَلِكَ , فَإِنْ أَصَرَّ دَفَعَهُ بِالأَخَفِّ فَالأَخَفّ كَالصَّائِلِ , هَذَا فِيمَنْ يَرُوم مُقَاتَلَته حَقِيقَة , فَإِنْ كَانَ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ"قَاتَلَهُ"شَاتَمَهُ فَالْمُرَاد مِنْ الْحَدِيث أَنَّهُ لا يُعَامِلهُ بِمِثْلِ عَمَله , بَلْ يَقْتَصِر عَلَى قَوْله إِنِّي صَائِم. [2]

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رِوَايَةً قَالَ: (( إِذَا أَصْبَحَ أَحَدُكُمْ يَوْمًا صَائِمًا فَلا يَرْفُثْ وَلا يَجْهَلْ فَإِنْ امْرُؤٌ شَاتَمَهُ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ إِنِّي صَائِمٌ إِنِّي صَائِمٌ ) ) [3]

قال النووي: الْحَدِيث فِيهِ نَهْيُ الصَّائِمِ عَنْ الرَّفَث , وَهُوَ السُّخْف وَفَاحِش الْكَلام، وَالْجَهْل قَرِيب مِنْ الرَّفَث , وَهُوَ خِلاف الْحِكْمَة وَخِلاف الصَّوَاب , مِنْ الْقَوْل وَالْفِعْل.

قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (فَإِنْ اِمْرُؤٌ شَاتَمَهُ أَوْ قَاتَلَهُ) مَعْنَاهُ شَتَمَهُ مُتَعَرِّضًا لِمُشَاتَمَتِهِ , وَمَعْنَى قَاتَلَهُ: نَازَعَهُ وَدَافَعَهُ.

وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ. إِنِّي صَائِمٌ) هَكَذَا هُوَ مَرَّتَيْنِ , وَاخْتَلَفُوا فِي مَعْنَاهُ ; فَقِيلَ: يَقُولهُ بِلِسَانِهِ جَهْرًا يَسْمَعهُ الشَّاتِم وَالْمُقَاتِل فَيَنْزَجِر غَالِبًا , وَقِيلَ: لا يَقُولهُ بِلِسَانِهِ , بَلْ يُحَدِّثُ بِهِ نَفْسَهُ ; لِيَمْنَعَهَا مِنْ مُشَاتَمَتِهِ وَمُقَاتَلَتِهِ وَمُقَابَلَتِهِ وَيَحْرِص صَوْمَهُ عَنْ الْمُكَدِّرَات , وَلَوْ

(1) رواه البخاري في الصوم باب فضل الصوم (1894) ، ومسلم في الصيام (1151) وغيرهما وسبق تخريجه.

(2) الفتح (4/ 125) باختصار.

(3) رواه مسلم في الصيام باب حفظ اللسان للصائم (1151) وسبق تخريجه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت