الاجتهاد في العبادة في العشر الأواخر لتحصيل الفضائل:
عن عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: (( كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَجْتَهِدُ فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مَا لا يَجْتَهِدُ فِي غَيْرِهِ ) ) [1]
عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: (( كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ شَدَّ مِئْزَرَهُ وَأَحْيَا لَيْلَهُ وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ ) ) [2]
(شَدَّ مِئْزَرَهُ) أَيْ اِعْتَزَلَ النِّسَاء , وَبِذَلِكَ جَزَمَ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ الثَّوْرِيِّ وَذَكَرَ اِبْن أَبِي شَيْبَةَ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْن عَيَّاشٍ نَحْوَهُ
وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: يَحْتَمِل أَنْ يُرِيد بِهِ الْجِدَّ فِي الْعِبَادَةِ كَمَا يُقَالُ شَدَدْت لِهَذَا الأَمْر مِئْزَرِي أَيْ تَشَمَّرْت لَهُ , وَيَحْتَمِل أَنْ يُرَاد التَّشْمِير وَالاعْتِزَال مَعًا.
وَيَحْتَمِل أَنْ يُرَاد الْحَقِيقَةُ وَالْمَجَازُ يَقُول طَوِيلُ النِّجَادِ لِطَوِيلِ الْقَامَةِ وَهُوَ طَوِيل النِّجَاد حَقِيقَةً , فَيَكُون الْمُرَاد شَدَّ مِئْزَرَهُ حَقِيقَة فَلَمْ يَحُلَّهُ وَاعْتَزَلَ النِّسَاء وَشَمَّرَ لِلْعِبَادَةِ.
قُلْت: وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة عَاصِم بْن ضَمْرَة الْمَذْكُورَة"شَدَّ مِئْزَرَهُ وَاعْتَزَلَ النِّسَاءَ"فَعَطَفَهُ بِالْوَاوِ فَيَتَقَوَّى الاحْتِمَالُ الأَوَّلُ.
(وَأَحْيَا لَيْلَهُ) أَيْ سَهِرَهُ فَأَحْيَاهُ بِالطَّاعَةِ وَأَحْيَا نَفْسَهُ بِسَهَرِهِ فِيهِ لأَنَّ النَّوْم أَخُو الْمَوْتِ وَأَضَافَهُ إِلَى اللَّيْلِ اِتِّسَاعًا لأَنَّ الْقَائِمَ إِذَا حَيِيَ بِالْيَقِظَةِ أَحْيَا لَيْلَهُ بِحَيَاتِهِ , وَهُوَ نَحْو قَوْله"لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قُبُورًا"أَيْ لا تَنَامُوا فَتَكُونُوا كَالأَمْوَاتِ فَتَكُون بُيُوتكُمْ كَالْقُبُورِ.
(وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ) أَيْ لِلصَّلاةِ وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ وَمُحَمَّد بْن نَصْر مِنْ حَدِيث زَيْنَب بْن أُمّ سَلَمَة:
(( لَمْ يَكُنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا بَقِيَ مِنْ رَمَضَان عَشْرَة أَيَّام يَدَعُ أَحَدًا مِنْ أَهْله يُطِيق الْقِيَام إِلا أَقَامَهُ ) ).ا. هـ [3]
(1) رواه مسلم في الاعتكاف باب الاجتهاد في العشر (1175) ، والترمذي في الصوم (726) ، وابن ماجه في الصيام (1757) ، وأحمد (24007)
(2) رواه البخاري في صلاة التراويح باب العمل في العشر (2024) ، ومسلم في الاعتكاف (1174) ، والنسائي في القيام (1621) ، وأبو داود في الصلاة (1168) ، وابن ماجه في الصيام (1758) ، وأحمد (23611)
(3) فتح الباري (4/ 316)