ولقد كان من آثار إلقاء القول بالكفر على عواهنه أن رتب بعض من لا علم عندهم ولا فقه أن ديار الإسلام المعاصرة ديار حرب تستباح فيها الأموال والنساء، ولا تجوز فيها الجمعة ولا الجماعة، ولا حرمة فيها إلا لمن عرف معتقده على الحقيقة، واستبان أمره ظاهرا وباطنا .. وكذلك كان من آثار ذلك أن اعتقد وظن كل من يرى كفر المجتمع أنه وحده أو من يدين بدينه هم أهل الإيمان والإسلام فقط فسمى نفسه"جماعة المسلمين"وإن كان واحدا، وإن كانوا أكثر من ذلك، جعلوا أنفسهم جماعة المسلمين دون غيرهم ولذلك بايعوا أحدهم وأعطوه ما يعطى الإمام العام من الطاعة والنصح، ورأوا أن كل خارج عن بيعة أميرهم خارج عن الإسلام يستباح ماله وعرضه إذا قدر على ذلك.
ولقد كان من آثار هذه العقيدة أيضا أن نفي باب الاضطرار في الشريعة، وجعل الجاهل في التكليف كالعالم، والمتأول كالمعاند، ونفيت المصالح الشرعية جملة وتفصيلا، وجعلت الشريعة الإسلامية بلا حكمة ولا عقل، وعندما سنتعرض -إن شاء الله- لضرب أمثلة من الفقه الجديد الذي خرجت به الطائفة الجديدة التي تتزعم هذه الفتنة سنرى إلى أي حد تنتفي كل الحكم عن الشريعة المطهرة التي جعلها الله رحمة للعالمين.
في زيارتي الأخيرة لمصر (كان ذلك في صيف سنة 1979) تلقيت أكثر من ألف سؤال حول موضوع واحد: هل الجاهل معذور أم لا؟ وكنت أقول سبحان الله، وهل الجاهل مكلف؟! والله يقول: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} ويقول تعالى: {وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون إن الله بكل شيء عليم} فكيف يكون الجاهل مكلفا قبل وصول العلم له؟! ولكن من فروع المشكلة (فتنة التكفير) أن كل إنسان على ظهر الأرض الآن مكلف بفروع الشريعة، ومسائل الإيمان وقضايا التوحيد صغيرها وكبيرها سواء أوصلت سمعه أم لم تصل، عرفها أم لم يعرفها، فالحجة قائمة على الجميع بلا استثناء، ولا عذر لأحد قط، وكنت أقول لهؤلاء الذين يردون مثل هذا القول سأعرض على أحدكم عشرات المسائل في التوحيد وأصول الدين أنتم تجهلونها الآن، فهل أنتم كفار بهذا؟!
ولقد كان أيضا من آثار القول بالكفر بإطلاقه القول بحرمة التعامل مع المجتمع، ووجوب العزلة عنه، والبدء في الدعوة إلى الإسلام من جديد كما بدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أهل الجاهلية الأولى، بل لقد كان من آثار هذه الفتنة العقائدية ظهور الفتن الدموية التي تستباح فيها دماء كثير من المسلمين الغافلين.