لما جاء النبي صلى الله عليه وسلم بدعوته لم يقل يوما أن هذه الدعوة دعوة منافسة للدعوات القائمة، أو مشاركة لها في شيء أو على الأقل متعايشة مع غيرها من الدعوات ولقد دُعِي النبي صلى الله عليه وسلم كثيرا إلى لقاء بين دعوته ودعوات الجاهلية فيتنازل عن شيء من دينه ليتنازلوا عن شيء من دعوتهم، فكان رد الله سبحانه وتعالى وأمره له أن يقول:
{قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون، ولا أنتم عابدون ما أعبد ولا أنا عابد ما عبدتم، ولا أنتم عابدون ما أعبد لكم دينكم ولي دين} .
لقد جاء النبي صلى الله عليه وسلم ليقول للناس من أول يوم أن دعوته ورسالته هي الدعوة الوحيدة الواجبة الاتباع في كل شؤون الحياة، وأنه لا تنازل عن صغير أو كبير منها، ولا خلط بتاتا بين الحق الذي جاءت به والباطل المتلبس بكل دعوة غيرها. وجاءته الأوامر الكثيرة الصريحة في هذا الصدد، من هذا قوله تعالى:
{وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك} الآيات، وحاول النبي صلى الله عليه وسلم في إبان دعوته أن يستميل أهل الكتاب من اليهود والنصارى إلى دينه فالأصل أنهم مؤمنون بالله وبعض أنبيائه، ومنهم من يؤمن بالبعث، فكان النبي يوافقهم في بدء حياته في المدينة فيما لم ينزل عليه فيه نص بالمخالفة، ولكن الله سبحانه وتعالى نهاه عن ذلك نهيا قاطعا حيث قال سبحانه: {ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قل إن هدى الله هو الهدى} .
وقال سبحانه وتعالى له أيضا: {قل آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط، وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون، فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا} ... الآية.
فأمر بألا نسلم لأهل الكتاب إيمانهم إلا إذا كان إيمانا مطابقا لما جاء في من الله سبحانه وتعالى.
فانظر إلى هذا واعجب اليوم من المؤتمرات التي تُقام بين علماء من المسلمين ورهبان النصارى وقساوستهم لعمل لقاء بين العقيدتين وعقد صلح بين الحق والباطل.
الإسلام من أول يوم جاء ليقول للناس هذا الحق حده وكل ما سواه باطل، وهذا النور وحده وكل ما سواه ظلام، وجاء ليقول للناس: {فماذا بعد الحق إلا الضلال} ؟! وهذا المعنى يتكرر في القرآن كثيرا بصورة عجيبة، انظر إلى قوله تعالى: