ولكن أكثر ما تطلق الفتنة على ما يكون فيه بلاء ومحنة، ينحرف وينخدع بها الكثير من الخلق، ولا يستطيعون مقاومتها، وينحرفون معها. وتلك هي الفتن المضلة التي خشيها النبي -صلى الله عليه وسلم- على أمته، فقد ثبت عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه قال:"إن بين يدي الساعة فتن كقطع الليل المظلم يصبح الرجل مؤمنا، ويمسي كافرا ويمسي مؤمنا ويصبح كافرا يبيع دينه بعرض من الدنيا"رواه أبو داود وابن ماجه .
بمعنى أن الرجل إذا جاءته تلك الفتن أو بعضها، انخدع بها وضل وانحرف عن الحق والهدى، وباع دينه بدنياه، باعه بعرض من الدنيا لِلَّهِ
هذه الفتن تحققت أو أكثرها في زماننا، ولأجل ذلك لا يصبر عليها، ولا يصابر إلا من ثبته الله ورزقه علما وبصيرة.
"شياطين الإنس وشياطين الجن":
لما علم الشيطان أنه هالك، وأنه من أهل النار، وأنه سيدخلها لا محالة، حرص على إغواء بني ادم ليدخلوها معه، وأقسم على ذلك، قال تعالى: { قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ } [سورة ص، الآيتان: 82 ، 83]
وأخبر الله تعالى بأن للإنس شياطين، قال تعالى: { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ } [سورة الأنعام، الآية: 112] .
فانظر كيف بدأ سبحانه وتعالى بشياطين الإنس قبل شياطين الجن! لأن شياطين الإنس هم الذين يدعون إلى ما يدعوا إليه شياطين الجن! يدعون إلى الكفر وإلى البدع وإلى المعاصي كما يدعو الشيطان! وذكر بعض العلماء أن الشيطان يدعو الناس إلى الذنوب: إلى أكبرها، ثم إلى ما يليه، ثم إلى ما يليه. قال ابن القيم في كتابه الذي سماه (بدائع الفوائد) ، في آخر المجلد الثاني:
إن الشيطان يدعو الإنسان إلى ستة أشياء، إن حصل على الأول، وإلا انتقل إلى الثاني!
* يدعوه إلى الكفر والشرك! فإذا أوقعه في الكفر والشرك ظفر به واستراح منه.