ولأَبي حنيفة أَنَّ ابن عمر كان يرى في تأْخير النُّسُكِ دَمًا. وعن ابن عباس: فيمن أَخَّرَ نُسُكًا عَنْ نُسُكٍ أَوْ قَدَّمَ نُسُكًا على نُسُكٍ أَنَّ عليه دَمًا. والمرفوع محمول على النسيان كما رُوِي مَشْرُوحًا عن عليَ كرَّم الله وَجْهَهُ: أَنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم سَأَلَهُ رجلٌ في حَجَّته فقال: إِني رَمَيْتُ، وأَفَضْتُ، ونَسِيتُ ولم أَحْلِق، قال: فاحْلِق ولا حَرَجَ»، ثم جاءه رجلٌ آخر فقال: رَمَيْتُ وأَفَضْتُ ونَسِيتُ أَنْ أَنْحَر، قال: «فانْحَر ولا حَرَج» . وعن عبد الله بن عمر أَنَّه قال: وَقَفَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في حَجَّةِ الوَدَاع للناسِ يَسْأَلُونَه، فجاءه رجلٌ فقال: يا رسولَ اللّهِ لم أَشْعُرْ فَنَحَرْتُ قَبْل أَنْ أَرْمِيَ، قال: «ارْمِ ولا حَرَج» ، قال: فَمَا سُئِلَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عن شيءٍ قُدِّم ولا أُخِّر إِلاَّ قال: «افْعَل ولا حَرَج» .
فَدَلَّ ما روينا: أَنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم إِنَّما أَسْقَطَ الحَرَج عنهم في ذلك للنِّسْيان أَو الجَهْل، لا أَنه أَباح لهم ذلك حتى يصير فِعْله مباحًا في العمل، كيف وابنُ عباس أَحَدُ رواة نَفْي الحَرَجُ يُوجِبُ بالتقديمِ والتأْخيرِ دَمًا، فكان معنى ذلك عنده، على أَنَّ الذي فعلوه في حجّة النبي صلى الله عليه وسلم للجهل منهم بالحُكْم فيه كيف هو فَعَذَرَهُم، إِذ كان ابتداء الخطاب بالمناسك على التمام والترتيب، وكان مِمَّن لم يبلغهم الخطاب، لا يلزمهم على ما هو الأَصل في ابتداء الشرع: أَنَّه لا يجب إِلاَّ بعد السَّمَاع، هذا خلاصة ما ذكره الطحاوي والدَّبُوسي.