ولنا صريحًا: ما رواه ابنُ حِبَّان، وابنُ خُزيمة، والحاكم عن ابن عباس أنه قال: ألا أخبركم بوُضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيه: ثم غَرَف غَرفةً: فمسَحَ بها رأسَه وأذُنيه. ودلالةً: ما رواه ابنُ ماجه بإِسنادٍ صحيح عن عبد الله بن زيد، والدارقطنيُّ بإسنادٍ صحيح عن ابنِ عباس: أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الأذنانِ مِن الرأس» ، أي حُكمُهما، فإنه عليه الصلاة والسلام ما بُعثَ لبيان الخِلْقة، فيُحمَل ما تقدَّم على نَفادِ البِلَّة توفيقًا بين الأدلَّة. وروى ابن ماجه بإسنادٍ صحيح عن ابن عباس: أنه عليه الصلاة والسلام مسَحَ أذنيه فأدخلهما السبَّابتين وخالفَ إبهاميه إلى ظاهر أذنيه، فمسَحَ ظاهرَهما وباطنَهما. وقد صرَّح الشيخ في «الإِلمام» عن أبي أُمامة أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الأُذنانِ من الرأس وكان يمْسَحُ المأْقَيْنِ» وقال أخرجه ابنُ ماجه، وهو حديثٌ حسن.
(والنيَّةُ) وهي: أن يُقصَدَ بالقلب الوضوءُ، أو رفعُ الحدَث، أو عبادةٌ لا تصحُّ إلا بالطهارة.
وقال مالك والشافعي وأحمد: النيَّةُ فَرْضٌ في الوضوء، لقوله عليه الصلاة والسلام: «إنما الأعمال بالنيات» .
ولنا أنه عليه الصلاة والسلام لم يُعلِّم الرجلَ الذي سأله عن الوضوء النيَّةَ، ولأنَّ الوضوء شرطٌ للصلاة فلا يَفتقر إلى النيَّة كسائر شروطها، فالمرادُ بالأعمالِ العباداتُ، فإنَّ المباحاتِ تُعتبر شرعًا بلا نيَّة، كالطلاق، والنكاح، وسائرِ المعاملات، بل المرادُ بها الطاعاتُ المستقلةُ، دون ما يتعلَّق بها من الشرائط التي هي كالوسيلة من طهارةِ الثوب، وسَتْرِ العورة، ومعرفةِ القِبلة، فالنيَّةُ فيها تُوجبُ المثوبة، وتُصيِّرُ العملَ عبادة، فمن ادَّعى أنَّ الشرطَ وضوءٌ هو عبادةٌ، فعليه البيانُ.