قلت: فيه عنعنة ابن جريج فيضعف بها، وكان مقصود النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بذكر هذا أن يستشعر المصلي في صلاته قرب ربه منه، وأنه بمرأى منه ومسمع، وأنه مناج له وأنه يسمع كلامه، ويرد عليه جواب مناجاته له، كما في (( صحيح مسلم ) ) (ج2 ص9) : عن أبي هريرة مرفوعا: (( إذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين، قال: حمدني عبدي ) )، الخ آيات الفاتحة وهو يرد عليه، وقد أخبر الله تعالى بقربه ممن دعاه وأجابته له فقال: {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان [1] } ، وقال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: (( إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا، إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته ) ). متفق عليه عن أبي موسى، قال: ولم يكن أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يفهمون من هذه النصوص غير المعنى الصحيح المراد بها، فيستفيدون بذلك معرفة عظمة الله، وجلاله، واطلاعه على عباده، وإحاطته بهم، وقربه من عابديه وإجابته لدعائهم، فيزدادون خشية لله وتعظيما وإجلالا ومهابة ومراقبة واستحياء، ويعبدونه كأنهم يرونه، ثم حدث بعدهم من قل ورعه وساء فهمه وقصده، وضعفت عظمة الله وهيبته في صدره، وأراد أن يري الناس امتيازه عليهم بدقة الفهم وقوة النظر، فزعم أن هذه النصوص تدل على أن الله بذاته في كل مكان كما يحكي ذلك عن طوائف من الجهمية والمعتزلة ومن وافقهم! تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا، وهذا شيء ما خطر لمن كان قبلهم من الصحابه رضي الله عنهم، وهؤلاء ممن يتبع ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، وقد حذر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- منهم في حديث عائشة الصحيح المتفق عليه البخاري رقم (4547) ، ومسلم (2665) ، وتعلقوا أيضا بما فهموا بفهمهم القاصر مع قصدهم الفاسد بآيات من كتاب الله تعالى مثل قوله تعالى: وهو معكم أينما كنتم [2]
(1) ... سورة البقرة، الآية:186.
(2) ... سورة الحديد، الآية:4..