الصفحة 61 من 946

باختلاف الأشخاص، والأحوال، وقوة القلب، وصفائه، وقوة الإيمان، وضعفه، ومنها ما يتعلق بالمتفرس خاصة، ومنها فراسة الحكام والولاة لاستخراج الحقوق لأربابها، وقمع الظلمة.

وقد ذكر ابن القيم - رحمه اللَّه - في «الطرق الحكمية» من أنواع الفراسة وأفرادها أشياء عجيبة. وقال في «تاج العروس شرح القاموس» [1] : و الفراسة - بالكسر - اسم من التفرس، وهو التوسم، يقال: تفرس فيه الشيءَ إذا توسمه. وقال ابن القَطَّاع: الفراسةُ بالعينِ إدراكُ الباطن، وبه فسر الحديث: «اتقوا فراسة المؤمن؛ فإنه ينظر بنور اللَّه» . وقال الصاغاني: لم يثبت، قال ابن الأثير يقال بمعنيين: أحدهما: ما دل ظاهر الحديث عليه، وهو ما يوقعه اللَّه تعالى في قلوب أوليائه؛ فيعلمون أحوال بعض الناس بنوع من الكرامات، وإصابة الظن، والحدس. والثاني: نوع يعلم بالدلائل، والتجارب، والخَلْق، والأخلاق، فتعرف به أحوال الناس، وللناس فيه تآليف قديمة وحديثة.

وقال ابن القيم - رحمه اللَّه تعالى - في «مدارج السالكين» في الكلام على الفراسة [2] : قال تعالى {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْمُتَوَسِّمِينَ} ... فإن الناظر متى نظر في آثار ديار المكذبين، ومنازلهم، وما آل إليه أمرهم، أورثه ذلك فراسة، وعِبرة، وفكرة. وقال تعالى في حق المنافقين {وَلَوْ نَشَاءُ لأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ} [3] ، فالأول: فراسة النظر والعين، والثاني: فراسة الأذن والسمع. وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه اللَّه - يقول: عَلَّقَ معرفتَه إياهم بالنظر على المشيئة، ولم يعلق تعريفهم بلحن خطابهم على شرطٍ، بل أخبر به خبرا مؤكَّدًا بالقسم، فقال: {وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ} ، وهو تعريض الخطاب، وفحوى الكلام، ومغزاه. واللحن ضربان: صواب، وخطأ، فلحن الصواب: نوعان، أحدهما: الفطنة، ومنه الحديث «ولعل بعضَكم أن يكون أَلْْحَنَ بحجته من بعض» [4] ، والثاني: التعريض والإشارة، وهو قريب من الكناية، ومنه قول الشاعر:

وَحَدِيثٍ أَلَذّهُ وَهُوَ مِمَّا ... يَشْتَهِي السَّامِعُونَ يُوزَنُ وَزْنا

مَنْطِقٌ صَائِبٌ وَيَلْحَنُ أَحْْيَا ... نًا وَخَيْرُ الْحَدِيثِ مَا َكان لَحْنا

والثالث: فساد المنطق في الإعراب. وحقيقته تغيير الكلام عن وجهه، إما إلى خطأ، وإما إلى معنى لم يوضع له اللفظ ... فإن معرفة المتكلم، وما في ضميره من كلامه أقربُ من معرفته بسيماه، وما في وجهه. فإن دلالة الكلام على قصد قائله وضميره أظهرُ من السِّيمَاء المرئية. والفراسة تتعلق بالنوعين: بالنظر والسماع. وفي الترمذي من حديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اتقوا فراسة المؤمن؛ فإنه ينظر بنور اللَّه» ، ثم تلا قوله تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْمُتَوَسِّمِينَ} .

والفراسة ثلاثة أنواع:

إيمانية: ... وسببها نور يقذفه اللَّه في قلب عبده، يفرق به بين الحق والباطل، ... والصادق والكاذب. وحقيقتها أنها خاطر يهجم على القلب، ينفي ما يضاده، يثب على القلب وُثُوبَ الأسد على الفريسة، ... وهذه الفراسة على حسب قوة الإيمان، فمن كان أقوى إيمانا، فهو أَحَدُّ فراسة، ... وقال عمرو بن نجيد: كان شاه الكرماني حادَّ الفراسة لا يخطئ، ويقول: من غض بصره عن المحارم، وأمسك نفسه عن الشهوات، وعمّر باطنه بالمراقبة، وظاهره باتباع السنة، وتعوّد أكل الحلال، لم تخطئ فراسته ... وقال ابن مسعود [5] - رضي الله عنه- أفرس الناس ثلاثة:

(1) - مادة (ف ر س) .

(2) - انظر (2/ 482) .

(3) - سورة محمد: الآية (30) .

(4) - البخاري (2458، 2680، 6967، 7169، 7181، 7185) ومسلم (1713) .

(5) - الطبري (12/ 176) و «مصنف» ابن أبي شيبة (14/ 574) وابن أبي حاتم (12/ 81، 221) والحاكم (2/ 345،3/ 90) والطبراني في «الكبير» (9/ 185) وابن كثير في «التفسير» (4/ 306) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت