أصح ما قيل فيه، وفي معناه: أنه الطعام الذي يخرجه صاحب البيت على عائلته، وهو الذي يدل عليه، و هو المناسب للمعنى. وهذا الكلام من النبي صلى الله عليه وسلم أصل كبير، وقاعدة أساسية، وميزان لما دلت عليه الآية الكريمة {وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا} [1] فمعنى كيلوا طعامكم: أي قدروه بمقدار كفاية المنفَقِ عليهم من غير زيادة ولا نقصان؛ فإن في ذلك سلوكًا لطريق الاقتصاد والحزم والعقل.
والبركة المعقولة في هذا من وجوه:
أولًا: امتثال أمر الشارع، الذي هو بركة و خير و سعادة و صلاح.
ثانيًا: لأن في الكيل المذكور، يَخْرُج المنفِقُ من خلقين ذميمين، وهما:
التقتير والتقصير في النفقات الواجبة والمستحبة، وإذا حصل التقصير؛ اشتغلت الذمم بالحقوق الواجبة، والمآثم الحاضرة، ولم يقع الإحسان والإنفاق موقعه، بل لا يصير له في هذه الحالة موقع أصلًا، فيقع الذم موقع الحمد، والتضجر والتسخط بدل الشكر والدعاء والثناء. والخلق الثاني: التبذير والإسراف؛ فإن هذا خلق ينافي الحكمة، وهو من أخلاق الجاهلية، وما أسرع ما يؤدي هذا الخلق بصاحبه إلى القلة والذلة، فإذا سَلِمَ من هذين الخلقين اتصف بخلق الحكمة والعدل والقوام، الذي هو أصل الخير ومداد الصلاح.
ثالثًا: إن في سلوك هذا الطريق النافع السالم من التقصير والتبذير؛ تمرينًا للنفس على التوازن والتعادل في كل الأمور. وفي هذا من الخير والبركة ما لا يخفى.
رابعًا: إن النفقات إذا خرجت عن طورها وموضوعها، تفرع عنها الشره والفساد. فإنه إذا لم يَكِل ويُقَدِّر ما يُطْعِمه لمن يعوله: فإما أن يكون أزيد من الكفاية، فالزائد إما أن يأكلوه، وهو عين ضررهم إذا كان زائدًا عن الحاجة،