وفي «المواهب» ما نصه: قال المازري: أنكر بعض المبتدعة حديث السحر، وزعموا أنه يحط من منصب النبوة- أي: شرفها ورفعتها- ويشكك فيها، قالوا: وكل ما أدى إلى ذلك فهو باطل، وزعموا أن تجويز هذا -أي: سحر الأنبياء -يعدم الثقة بما شرعوه من الشرائع؛ إذ يحتمل على هذا أن يخيل إليه أنه يرى جبريل يكلمه- وليس هو ثَمَّ -وأنه يوحي إليه بشيء.
قال المازري: وهذا كله مردود؛ لأن الدليل قد قام على صدق النبي صلى الله عليه وسلم فيما يبلغه عن اللَّه، وعلى عصمته في التبليغ، والمعجزات شاهدات بتصديقه. فتجويز ما قام الدليل على خلافه باطل.
وأما ما يتعلق ببعض أمور الدنيا التي لم يُبْعَث لأجلها ولا كانت الرسالة من أجلها- فهو في ذلك عرضة لما يعرض للبشر كالأمراض، فغير بعيد أن يخيل إليه في أمر من أمور الدنيا ما لا حقيقة له، مع عصمته عن مثل ذلك في أمور الدين [1] . اهـ.
وقال غيره: لا يلزم من أنه كان يظن أنه فعل الشيء -ولم يكن فعله- أنه يجزم بفعله ذلك، وإنما يكون ذلك من جنس الخاطر يخطر ولا يثبت، فلا يبقى لهذا الملحد حجة.
وفي «شرح مسلم» : وقد ظهر ما هو أجلى وأبعد عن مطاعن الملحدة من نفس الحديث، ففي بعض طرقه: «سحره يهودي حتى كاد ينكر بصره» ، وفي بعضها: «حبس عن عائشة سنة» ، وعند البيهقي: «والطعام و الشراب» ، فدلت هذه الطرق على أن السحر إنما تسلط على ظاهر جسده، لا على عقله [2] .انتهى.
(1) - راجع «المعلم بفوائد مسلم» : (3/ 159) .
(2) - ذكر الإمام النووى في «المنهاج» بعضًا منه عن القاضي عياض: (14/ 175) .