فيها نستطيع أن ندرك تمامًا قيمة الجهاد والاستشهاد والمحن التي وقعت من قبله. إن شيئًا من هذا الجهاد والتعب والمحن لم يذهب بددًا، ولم ترق نقطة دم لمسلم هدرًا، ولم يتحمَّل المسلمون كلَّ ما لاقوه مما قد علمنا في هجرتهم وغزواتهم وأسفارهم، لأنَّ رياح المصادفة فاجأتهم بها، ولكن كل ذلك كان وفق قانونٍ سماوي، وبحسب سنة الله في خلقه فكل التضحيات المتقدمة كانت تؤدي أقساطًا من ثمن الفتح والنَّصر وتلك هي سنة الله في عباده... لا نصر بدون إسلامٍ صحيحٍ ولا إسلام بدون عبودية لله، ولا عبودية بدون بذل وتضحية وضراعة على بابه وجهاد في سبيله.
-غزوة فتح مكة:
كان سببها يوم ارتكبت فيها قريش خطأ فادحًا عندما أعانت حلفاءها بني بكر على خزاعة حليفة المسلمين بالخيل والسلاح والرجال، وهاجم بنو بكر وحلفاؤهم قبيلة خزاعة عند ماء يقال له الوتير، وقتلوا أكثر من عشرين من رجالها (1) , ولما لجأت خزاعة إلى الحرم الآمن -ولم تكن متجهزة للقتال- لتمنع بني بكر منه، قالت لقائدهم: يا نوفل، إنا قد دخلنا حرم إلهك! فقال نوفل: لا إله اليوم، يا بني بكر أصيبوا ثأركم (2) , عندئذ خرج عمرو بن سالم الخزاعي، في أربعين من خزاعة، حتى قدموا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المدينة، وأخبروه بما كان من بني بكر، وبمن أصيب منهم، وبمناصرة قريش بني بكر عليهم, فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: «نُصرت يا عمرو بن سالم! (3) لا نصرني الله إن لم أنصر بني كعب» ولما عرض السحاب من السماء قال: إن هذه السحابة لتستهل بنصر بني كعب (4) .
-غزوة فتح مكة:
أظهرت عاقبة نكث العهود وأنه وخيم للغاية، إذ نكثت قريش عهدها فحلت بها الهزيمة، وخسرت كيانها الذي كانت تدافع عنه وتحميه.
(1) انظر: الواقدي (2/781- 784) .
(2) انظر: السيرة النبوية لابن هشام (4/39) .
(3) انظر: السيرة النبوية لابن هشام (4/44) .
(4) المصدر نفسه (4/44) , البداية والنهاية (4/278) .