الصفحة 8 من 30

تحتاج إلى أبحاثٍ طويلة، فعلى المسلم أن يتدبَّر تلك الأمثلة ليأخذ منها العظات والعِبَر، ويستَفِيد منها الإيمان والعمل الصالح، الذي يُرشِّد العمل ويثلج الصدر، ويُذهِب الهمَّ والغمَّ، فمَن الذي أُصِيب في ولده وبنيه كما أصيب إبراهيم ونوح ويعقوب - عليهم السلام؟ ومَن لاقى مِن قومه المشاقَّ كما لاقَى موسى ونوح وإبراهيم - عليهم السلام - ومَن كابَد من المكائد ما كابَد يوسف ويعقوب - عليهما السلام - فكلُّ الأنبياء عانوا من كفر أقوامهم، لكنَّهم كذلك عانوا أصنافًا من المعاندة أو المكايد بل والكفر من داخل البيوت من الأزواج والأبناء، ومع ذلك كانت لهم المواقف الإيمانيَّة الكريمة، ولسنا أحبَّ إلى الله من هؤلاء، ولا دعوتنا أوضَح منهم، ولا لدينا من الإخلاص والتقوى كالتي لديهم، فلنقتَدِ بهم في الحجَّة وبيانها، والدعوى والصبر عليها، والرضا بقضاء الله، والحرص على الصالحات من الأعمال.

والله من وراء القصد وهو حسبي ونعم الوكيل.

بر الوالدين

أخرج مسلم في صحيحه [1] عن أبي هريرة [2] - رضِي الله عنه - قال: قال

(1) مسلم (1510) .

(2) هو عبدالرحمن بن صخر الصحابي الفقيه المجتهد الحافظ أكثر الصحابة روايةً، وقد روى عنه ثمانمائة من أصحابه، أسلم وقدم على النبي - صلى الله عليه وسلم - سنة سبع عام خيبر ومات سنة 59 للهجرة، فلزم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أربع سنين يتعلَّم لم يُفارِقه في حضرٍ ولا سفرٍ، وقد قال عن نفسه: تزعمون أنِّي أُكثِر الروايةَ عن رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم، والله الموعد - إنِّي كنتُ امرأً مسكينًا أصحَب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ملءِ بطني، وأنَّه حدَّثنا يومًا: (( ومَن يبسط ثوبه حتى أقضي مقالتي ثم قبَضَه إليه لم ينسى شيئًا سمع منِّي أبدًا؟ ) )، ففعلت، فوالذي بعَثَه بالحقِّ ما نسيتُ شيئًا سمعته منه، وكان يقول: إنَّ إخواني المهاجرين كان يشغَلهم الصفق بالأسواق، وكان إخواني من الأنصار يشغَلهم عملُ أموالهم وكنت امرأً مسكينًا من مساكين الصفَّة، ألزَم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ملءِ بطني، فأحضر حين يَغِيبون، وأوعى حين ينسون، وجاء في البخاري من قول أبي هريرة - رضِي الله عنه: ما أحدٌ من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أكثر حديثًا مِنِّي عنه إلاَّ ما كان من عبدالله بن عمرو؛ فإنه كان يكتب وكنت لا أكتب.

ولقد أقعد مروان كاتبه خلف السرير يكتب وأبو هريرة يحدِّث، فلمَّا كان رأس الحول دعا به فأقعَدَه من وراء حجاب فجعَل يسأله عن ذلك الكتاب فما زاد ولا نقص، ولا قدم ولا أخَّر، قال الإمام الذهبي عقب هذه الحكاية:"هكذا يكون حفظ"، وعن مكحول قال: تَواعَد الناس ليلةً في قبَّة من قِباب معاوية فاجتمعوا فيها، فقام فيهم أبو هريرة يحدِّثهم عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى أصبح وقد دعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأمِّه فأسلمت ودعا أن يحبِّبهما الله للمؤمنين، قال أبو هريرة - رضِي الله عنه: فما خلَق الله من مؤمنٍ يسمع بي ولا يراني أو يرى أمي إلا هو يحبُّني.

قال ابن كثير في"البداية والنهاية": وهذا من دلائل نبوَّته - صلى الله عليه وسلم - فإنَّ أبا هريرة محبَّب إلى جميع الناس.

قلت: وهذا أيضًا دليلُ ضلال مَن يُبغِضونه من الشيعة ومَن وافقهم على ذلك، ويقول ابن كثير: ولقد كان أبو هريرة - رضِي الله عنه - من الصدق والحفظ والدِّيانة والعبادة والزهادة والعمل الصالح على جانبٍ عظيم؛ كان يقوم ثلث الليل وامرأته ثلثه وابنته ثلثه، يقوم هذا ثم يوقظ هذا، وكان يقسم الليل ثلاثةَ أقسام: جزء لقراءة القرآن، وجزء لنومه، وجزء يتذاكر فيه حديث رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم.

وكان له مسجد في مخدعه، ومسجد في بيته، ومسجد في حجرته، ومسجد عند باب داره إذا خرَج صلى فيها جميعًا، وإذا دخَل صلى فيها جميعًا، وكان له في كلِّ يوم صيحتان أوَّل النهار صيحة يقول فيها: ذهب الليلُ وجاء النهارُ وعرض آل فرعون على النار، وإذا كان العشي يقول: ذهب النهار وجاء الليل، وعرض آل فرعون على النار، فلا يسمع أحدٌ صوته إلا استعاذ بالله من النار.

انظر:"البداية والنهاية"ج 8،"سير أعلام النبلاء"ج 2.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت