المخالفات المنكرة - لا يضيره ولا يغضُّ من قضاء التجربة العمليَّة عند الموازنة بين جناية جميع المسلمين على الأرقَّاء، وجناية الآخَرين من أتباع الأديان الكتابية؛ فالقارَّة الإفريقية - في بلاد السود - مفتوحةٌ أمام أبناء السواحل المجاورة لها منذ مئات السنين، ولم تفتح للنخاسين من الغرب إلاَّ بعد اتِّصال الملاحة على ساحل البحر الأطلسي في العالم القديم والعالم الجديد.
وفي أقلَّ من خمسين سنة نقل النخَّاسون الغربيون جموعًا من العبيد السود تبلغ عدَّة الباقين من ذريَّتهم - بعد القتل والاضطهاد - نحو خمسة عشر مليونًا في الأمريكتين، عدد يضارع خمسة أضعاف ضحايا النِّخاسة في القارات الثلاث منذ أكثر من ألف سنة، وهو فارق جسيم بحِساب الأرقام يَكفِي للإبانة عن الهاوية السَّحِيقة في التجرِبة العملية بين النخاستَيْن، ولكنَّه فارق هيِّن إلى جانب الفارق في حظوظ أولئك الضحايا بين العالم القديم والعالم الجديد، فإنَّ الأمريكتَيْن إلى اليوم أمَّة من السود معزولة بأنسابها وحظوظها وحقوقها العمليَّة، وليس في بلدٍ من بلاد الشرق أمَّة من هذا القبيل؛ لأنَّ الأسود الذي ينتقل إليها يحسب من أهلها بعد جيل واحد، له ما لهم وعليه ما عليهم، بغير حاجةٍ إلى حمايةٍ من التشريع إلى نصوص الدساتير، (انتهى كلام العقاد) .
قارِن بين نظام الإسلام - أيُّها اللَّبيب - وبين النُّظُم المعاصرة، أوجَد الإسلام للرق عتقًا، وأوجَدت الحضارة الحديثة للأحرار رقًّا مع الدَّعاوى العريضة بحقوق الإنسان انتَهكوها، وبحريَّة لفرد استعبَدوه؛ لأنها المناهج الباطلة تتحكَّم، والأهواء والآراء تقضي وتحكُم، ولا تزال أمريكا إلى اليوم دولة التقدُّم يُعانِي فيها المسلمون ما يضيق المقام عن وصفه، فالإسلام دين الله يحلُّ المعضلات ويُزِيل المشكلات، ويرسي قواعد العدل والإخاء؛ {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [الحجرات: 13] .
ففي مجتمع الإسلام علاجٌ لعثرات الناس ورفع لكبواتهم، فإذا غاب عن إنسان نسبُه أو انخَلَع من قومه لإسلامٍ بعد كفر، فإنَّ الإسلام يسعه برحابة صدر وجميل استقبال، فلا ينبذه أو يعزله في ملجأ يخرج [منه. ت. أ] يحقد على الناس من حوله،