الصفحة 399 من 577

من لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون) , ثم قال: فيهما والله نزلت , و إياهما عنى الله عز وجل).

(فائدة هامة) : إذا علمت أن الآيات الثلاث: (و من لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) , (فأولئك هم الظالمون) , (فأولئك هم الفاسقون) نزلت في اليهود و قولهم في حكمه صلى الله عليه وسلم:"إن أعطاكم ما تريدون حكمتموه , و إن لم يعطكم حذرتم فلم تحكموه", و قد أشار القرآن إلى قولهم هذا قبل هذه الآيات فقال: (يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه , و إن لم تؤتوه فاحذروا) , إذا عرفت هذا , فلا يجوز حمل هذه الآيات على بعض الحكام المسلمين و قضاتهم الذين يحكمون بغير ما أنزل الله من القوانين الأرضية , أقول: لا يجوز تكفيرهم بذلك , و إخراجهم من الملة إذا كانوا مؤمنين بالله و رسوله , و إن كانوا مجرمين بحكمهم بغير ما أنزل الله , لا يجوز ذلك , لأنهم و إن كانوا كاليهود من جهة حكمهم المذكور , فهم مخالفون لهم من جهة أخرى , ألا و هي إيمانهم و تصديقهم بما أنزل الله , بخلاف اليهود الكفار , فإنهم كانوا جاحدين له كما يدل عليه قولهم المتقدم:"... و إن لم يعطكم حذرتموه فلم تحكموه", بالإضافة إلى أنهم ليسوا مسلمين أصلا , و سر هذا أن الكفر قسمان: اعتقادي و عملي . فالاعتقادي مقره القلب . و العملي محله الجوارح . فمن كان عمله كفرا لمخالفته للشرع , و كان مطابقا لما وقر في قلبه من الكفر به , فهو الكفر الاعتقادي , و هو الكفر الذي لا يغفره الله , و يخلد صاحبه في النار أبدا . و أما إذا كان مخالفا لما وقر في قلبه , فهو مؤمن بحكم ربه , و لكنه يخالفه بعمله , فكفره كفر عملي فقط , و ليس كفرا اعتقاديا , فهو تحت مشيئة الله تعالى إن شاء عذبه , و إن شاء غفر له , و على هذا النوع من الكفر تحمل الأحاديث التي فيها إطلاق الكفر على من فعل شيئا من المعاصي من المسلمين , و لا بأس من ذكر بعضها:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت