ومن الأمثلة الحديثة على ذلك ما قرأته اليوم من عدد (أغسطس) من السنة السادسة من مجلة (( المختار ) )تحت عنوان (( هذا العالم المملوء بالألغاز وراء الحواس الخمس ) )ص23 قصة (( فتاة شابة ذهبت إلي جنوب أفريقيا للزواج من خطيبها، وبعد معارك مريرة فسخت خطبتها بعد ثلاثة أسابيع، وأخذت الفتاة تذرع غرفتها في اضطراب، وهي تصيح في أعماقها بلا انقطاع: (( أواه يا أماه...ماذا أفعل؟ ) )ولكنها قررت ألا تزعج أمها بذكر ما حدث لها؟ وبعد أربعة أسابيع تلقت منها رسالة جاء فيها: (( ماذا حدث؟ لقد كنت أهبط السلم عندما سمعتك تصيحين قائلة: (( أواه يا أماه...ماذا أفعل؟ ) ). وكان تاريخ الرسالة متفقًا مع تاريخ اليوم الذي كانت تصيح فيه من أعماقها )) .
وفي المقال المشار إليه أمثلة أخرى مما يدخل تحت ما يسمونه اليوم بـ (( التخاطر ) )و (( الاستشفاف ) )ويعرف باسم (( البصيرة الثانية ) )اكتفينا بالذي أوردناه لأنها أقرب الأمثال مشابهة لقصة عمر رضي الله عنه، التي طالما سمعت من ينكرها من المسلمين لظنه أنها مما لا يعقل ! أو أنها تتضمن نسبة العلم بالغيب إلي عمر، بينما نجد غير هؤلاء ممن أشرنا إليهم من المتصوفة يستغلونها لإثبات إمكان إطلاع الأولياء على الغيب، والكل مخطئ. فالقصة صحيحة ثابتة، وهي كرامة أكرم الله بها عمر، حيث أنقذ به الجيش المسلمين من الأسر أو الفتك به، ولكن ليس فيها ما زعمه المتصوفة من الإطلاع على الغيب، وإنما هو من باب الإلهام (في عرف الشرع) أو (التخاطر) في عرف العصر الحاضر، الذي ليس معصومًا، فقد يصيب، كما في هذه الحادثة، وقد يخطئ كما هو الغالب على البشر، ولذلك كان لا بد لكل ولي من التقيد بالشرع في كل ما يصدر منه من قول أو فعل خشية الوقوع في المخالفة، فيخرج بذلك عن الولاية التي وصفها الله تعالى بوصف جامع شامل فقال: (( ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. الذين آمنوا وكانوا يتقون) . ولقد أحسن من قال: