الصفحة 21 من 21

وَوُجُودِهَا ، وَمَا رُتِّبَ عَلَيْهَا مِنْ شَرٍّ فَيَجْتَنِبُوهُ عِنْدَ قِيَامِهَا وَتَحَقُّقِهَا وَهَذَا هُوَ الْغَالِبُ فِي الْعَادَةِ ، (و) لَوْ شَاءَ لَخَلَقَ الْأَسْبَابَ كُلَّهَا مُجَرَّدَةً عَنْ الْمُسَبَّبَاتِ ، لَكِنَّهُ قَرَنَ الْأَسْبَابَ بِالْمُسَبَّبَاتِ فِي مُطَّرِدِ الْعَادَاتِ ، لِيُضِلَّ بِذَلِكَ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ" [1] ، ويقول في موضع آخر:"وَلَنْ يَصِلَ أَحَدٌ مِنْهُمْ إلَّا إلَى مَا قُدِّرَ لَهُ ، وَقَدْ غَرَّ بَعْضَهُمْ أَنَّهُمْ أَدْرَكُوا بَعْضَ مَا طَلَبُوا فَظَنُّوا أَنَّهُمْ نَالُوا ذَلِكَ بِحَزْمِهِمْ وَقُوَاهُمْ فَخَابُوا وَنَكَصُوا وَوُكِّلُوا إلَى أَنْفُسِهِمْ فَهَلَكُوا ، وَمِنْهُمْ مَنْ وَاظَبَ أَنَّهُ لَا يَنَالُ خَيْرًا إلَّا بِتَوْفِيقِ اللَّهِ وَلَا يَنَالُ ضَيْرًا إلَّا بِإِرَادَةِ اللَّهِ فَهَؤُلَاءِ لَا يَزَالُونَ فِي زِيَادَةٍ ، لِأَنَّ الطَّاعَاتِ وَالْمَعَارِفَ وَالْأَحْوَالَ إذَا دَامَتْ أَدَّتْ إلَى أَمْثَالِهَا وَإِلَى أَفْضَلَ مِنْهَا . وَعَلَى الْجُمْلَةِ فَمَنْ أَقْبَلَ عَلَى اللَّهِ أَقْبَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ ، وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ اللَّهِ أَعْرَضَ اللَّهُ عَنْهُ ، وَمَنْ تَقَرَّبَ إلَى اللَّهِ شِبْرًا تَقَرَّبَ مِنْهُ ذِرَاعًا ، وَمَنْ تَقَرَّبَ مِنْهُ ذِرَاعًا تَقَرَّبَ مِنْهُ بَاعًا ، وَمَنْ مَشَى إلَيْهِ هَرْوَلَ إلَيْهِ وَمَنْ نَسَبَ شَيْئًا إلَى نَفْسِهِ فَقَدْ زَلَّ وَضَلَّ ، وَمَنْ نَسَبَ الْأَشْيَاءَ إلَى خَالِقِهَا الْمُنْعِمِ بِهَا كَانَ فِي الزِّيَادَةِ ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: { لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ } ، { وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ } . [2] إن النصر- كما ذكر هو من عند الله فهو الجالب للمصالح والدارئ للمفاسد ولكن على المسلم أن يتخذ له أسبابه وأن يتهيئ له حق التهيئ ثم يتوكل على الله وينتظر النصر من عنده."فمن لم يتخذ الأسباب فقد عصى الله ومن توكل على الأسباب فقد أشرك بالله".

وإن تاريخ الأندلس عموما ومعركة الزلاقة خصوصا لتبين لنا أن عوامل النصر إن اجتمعت فلا بد من أن يتنزل نصر الله تعالى.

وإن هذا التاريخ ليبين لنا أيضا أن أكبر وبال يصيب الأمة الإسلامية هو التفرق والتشرذم، فبسببه تفشل الأمة وتذهب قوتها، قال تعالى:"ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم" [3] وقد جعل الله تعالى الفرقة من عقابه الذي يسلطه على من خرج عن منهجه، قال تعالى:"قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض" [4] فالتفرق يشتت الجهد، ويذهب القوة، وينزع البركة، ويؤدي إلى التخاذل، ويجرئ العدو، ويشغل الأمة عن قضاياها العظام وتحدياتها الجسام... [5]

(1) ) نفسه:ج1/ ص17- 18

(2) ) نفسه:ج1/ ص13

(3) ) الأنفال الآية: 47

(4) ) الأنعام الآية: 66

(5) ) من بحث للدكتور عثمان علي حسن تحت عنوان"آثار الافتراق على الأمة"ألقي في المؤتمر العلمي:"العمل الإسلامي بين الاتفاق والافتراق ، بجامعة الخرطوم، في 23- 25جمادى الأولى ـ1425هـ- الموافق 10-12/7/2004.بتصرف."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت