الصفحة 20 من 21

الشيطان ما كانوا يعملون". [1] وبين لنا حال المؤمنين يوم بدر وهم يتضرعون إلى الله فقال:"إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكمو أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين" [2] ."إن الضراعة إلى الله هي المظهر الأكمل الذي يجسد الإيمان الخالص حقا كما بين القرآن الكريم في قوله:"واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه". [3] - [4] .

يقول العز بن عبد السلام:"وَأَفْضَلُ مَا تُقُرِّبَ بِهِ التَّذَلُّلُ لِعِزَّةِ اللَّهِ وَالتَّخَضُّعُ لِعَظَمَتِهِ وَالْإِيحَاشُ لِهَيْبَتِهِ ، وَالتَّبَرِّي مِنْ الْحَوْلِ وَالْقُوَّةِ إلَّا بِهِ ، وَهَذَا شَأْنُ الْعَارِفِينَ ، وَمَا خَرَجَ عَنْهُ فَهُوَ طَرِيقُ الْجَاهِلِينَ أَوْ الْغَافِلِينَ ، وَقَدْ تَمَّتْ الْحِكْمَةُ وَفُرِغَ مِنْ الْقِسْمَةِ ، وَسَيَنْزِلُ كُلُّ أَحَدٍ فِي دَارِ قَرَارِهِ حُكْمًا وَعَدْلًا وَحَقًّا ، قِسْطًا وَفَضْلًا ، وَمَا ثَبَتَ فِي الْقِدَمِ لَا يُخْلِفُهُ الْعَدَمُ وَلَا تُغَيِّرُهُ الْهِمَمُ ، بَعْدَ أَنْ جَرَى بِهِ الْقَلَمُ وَقَضَاهُ الْعَدْلُ الْحَكَمُ ، فَأَيْنَ الْمَهْرَبُ وَإِلَى أَيْنَ الْمَذْهَبُ وَقَدْ عَزَّ الْمَطْلَبُ وَوَقَعَ مَا يُذْهِبُ ، فَيَا خَيْبَةً مِنْ طَلَبِ مَا لَمْ تَجُزْ بِهِ الْأَقْدَارُ وَلَمْ تَكْتُبْهُ الْأَقْلَامُ ، يَا لَهَا مِنْ مُصِيبَةٍ مَا أَعْظَمَهَا وَخَيْبَةٍ مَا أَفْحَمَهَا . أَيْنَ الْمَهْرَبُ مِنْ اللَّهِ وَأَيْنَ الذَّهَابُ عَنْ اللَّهِ وَأَيْنَ الْفِرَارُ مِنْ قُدْرَةِ اللَّهِ ؟ بَيِّنًا يُرَى أَحَدُهُمْ قَرِيبًا دَانِيًا إذْ أَصْبَحَ بَعِيدًا نَائِيًا ، لَا يَمْلِكُ لِنَفْسِهِ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا وَلَا حِفْظًا وَلَا رَفْعًا بِأَيِّ نَوَاحِي الْأَرْضِ نَرْجُو وِصَالَكُمْ وَأَنْتُمْ مُلُوكٌ مَا لِمَقْصِدِكُمْ نَحْوُ وَاَللَّهِ لَنْ تَصِلَ إلَى شَيْءٍ إلَّا بِاَللَّهِ فَكَيْفَ تُوصَلُ بِغَيْرِهِ . [5] "

إن هذه الشروط وغيرها المبثوثة في كتاب الله تعالى وسنة رسوله المصطفى صلى الله عليه وسلم لتبين لنا أن الله تعالى قد أجرى للنصر عوامل وأسبابا يكون بها دون أن يجعل هذه الأسباب هي الجالبة للنصر بنفسها أو دارئة للهزيمة بنفسها، بل إن النصر هو من عند الله تعالى، ولكنه أجرى عادته وسنته بترتيب الأسباب على المسببات ليعرف عباده أنه عند وجود الأسباب ما يترتب عليها من خير فيطلبوه أو شر فيجتنبوه. يقول العز بن عبد السلام في كتابه"قواعد الأحكام في مصالح الأنام": (إن) الْأَسْبَابُ (غير) جَالِبَةً لِلْمَصَالِحِ بِأَنْفُسِهَا وَلَا دَارِئَةً لِلْمَفَاسِدِ بِأَنْفُسِهَا ، بَلْ الْأَسْبَابُ فِي الْحَقِيقَةِ مَوَاقِيتُ لِلْأَحْكَامِ وَلِمَصَالِحِ الْأَحْكَامِ ، وَاَللَّهُ هُوَ الْجَالِبُ لِلْمَصَالِحِ الدَّارِئُ لِلْمَفَاسِدِ ، وَلَكِنَّهُ أَجْرَى عَادَتَهُ وَطَرَدَ سُنَّتَهُ بِتَرْتِيبِ بَعْضِ مَخْلُوقَاتِهِ عَلَى بَعْضٍ ، لِتَعْرِيفِ الْعِبَادِ عِنْدَ وُجُودِ الْأَسْبَابِ مَا رُتِّبَ عَلَيْهَا مِنْ خَيْرٍ فَيَطْلُبُوهُ عِنْدَ وُقُوعِهَا

(1) ) الأنعام الآية: 43-44

(2) ) الأنفال الآية: 9

(3) ) الكهف الآية: 28

(4) ) عوامل النصر والتمكين في دعوات المرسلين: أحمد بن حمدان بن محمد الشهري ص-120 -121 - 122- 129- .بتصرف.

(5) قواعد الاحكام في مصالح الانام، للعز بن عبد السلام: ج1/ ص14

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت