أما"الأذفونش""ألفونسو"فقد استنفر الفرنجة للخروج، فرفع الرهبان والقسيسون والأساقفة صلبانهم، ونشروا أناجيلهم، فاجتمع لهذا اللعين مالا يحصى عدده.
4)معركة الزلاقة
ثم إن يوسف ابن تاشفين أرسل إلى ألفونسو كتابا يعرض عليه فيه الدخول في الإسلام أو الجزية أو الحرب: كما هي السنة، ومن جملة ما في الكتاب:"بلغنا يا أذفونش أنك دعوت الله في الإجتماع بنا، وتمنيت أن تكون لك سفن تعبر عليها البحر إلينا، فقد عبرناه إليك، وقد جمع الله تعالى في هذه العرصة بيننا وبينك، وسترى عاقبة دعائك!"وما دعاء الكافرين إلا في ضلال"فلما سمع الأذفونش ما كتب إليه يوسف جاش بحر غيظه، وزاد في طغيانه، وأقسم أن لا يبرح من موضعه حتى يلقاه. [1] "
وقبل المعركة رأى ألفونسو في منامه كأنه راكب فيلا، وبين يديه طبل صغير وهو ينقر فيه، فقص رؤياه على القسيسين فلم يعرفوا تأويلها ، فأحضر رجلًا مسلما عالمًا بتعبير الرؤيا فقصها عليه فاستعفاه من تعبيرها فلم يعفه ، فقال: تأويل هذه الرؤيا من كتاب الله العزيز وهو قوله تعالى:"ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل" [2] السورة، وقوله تعالى:"فإذا نُقر في الناقور فذلك يومئذ يوم عسير على الكافرين غير يسير" [3] ويقتضي هلاك هذا الجيش الذي تجمعه ، فلما اجتمع جيشه رأى كثرته فأعجبته ، فأحضر ذلك المعبر وقال:"بهذا الجيش أقاتل الجن والإنس وملائكة السماء"فانصرف ذلك المعبر وقال لبعض المسلمين: إن هذا الملك هالك وكل من معه. وذكر قول رسول الله صلى الله عليه وسلم"ثلاث مهلكات"،الحديث، وفيه"وإعجاب المرء بنفسه [4] ". [5]
وسار الجيشان حتى نزلا في مكان يقال له الزلاقة، وبينهما النهر،ـ نهر بطلسيوس ـ وكان ابن عباد وهو سائر يبشر نفسه بالنصر وينشد:
لابد من فرج قريب يأتيك بالعجب العجيب
غزو عليك مبارك سيعود بالفتح القريب
لله سعدك إنه نكس على دين الصليب
وكان نزولهم يوم الخميس، وكانت الرسل تختلف بينهم، فاقترح ابن فردنلد (الأذفونش) أن يكون اللقاء يوم الاثنين، لأن الجمعة هي عيد المسلمين والأحد عيد النصارى، فتوافقوا على ذلك، لكن جيش المسلمين عرف أن هذه خديعة من الأذفونش فظلوا مستعدين ولم يضعوا سلاحهم.
وهذا من عوامل النصر: أن يكون المسلم يقظا فطنا فليس هو بالخب ولا الخب ... يخدعه.
وقام الفقهاء والعباد يعظون الناس ويحضونهم على الصبر ويحذرونهم الفرار، وبعد هزيع من الليل انتبه الفقيه الناسك أبو العباس أحمد بن رميلة القرطبي، وكان في محلة ابن عباد فرحًا مسرورًا يقول إنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم فبشره بالفتح والشهادة له في صبيحة غد، وتأهب ودعا ودهن رأسه وتطيب، وانتهى ذلك إلى ابن عباد فبعث إلى يوسف يخبره بها تحقيقًا لما توقعه من غدر ابن فرذلند، فحذروا أجمعين ولم ينفع ابن فرذلند ما حاوله من الغدر. [6]
وفي الصباح جاءت عيون المسلمين بالخبر اليقين، بأن جيش النصارى بدأ يتحرك نحو جيش المسلمين.
وهذا من عوامل النصر: أن يكون المسلم على اطلاع بأخبار عدوه حتى لا يفاجئه بما لا يُحمد.
واتقى الجمعان صبيحة يوم الجمعة الأولى من رمضان سنة 479هـ [7] ، وجرى بينهما قتال عنيف، أبلى المسلمون فيه خير البلاء وجاهدوا أعظم الجهاد، وكان ممن أبلى في ذلك اليوم البلاء الحسن: المعتمد ابن عباد يقول الحميري في كتابه"الروض المعطار في خبر الأقطار":"فحميت الحرب بينهما، ومال ابن فرذلند على المعتمد بجموعه وأحاطوا به من كل جهة"
(1) ) مواقف المرابطين في دفع بغي السلاطين ص-29
(2) ) سورة الفيل الآية 1
(3) ) سورة المدثر الآية 8/9
(4) ) ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد
(5) ) الكامل في التاريخ لابن الأثير ج- /ص-
(6) ) الروض المعطارفي خبر الأقطار. باب: حرف الزاي
(7) ) اختلف في تاريخ المعركة فذكر اليافعي في كتابه"مرآت الجنان وعبير اليقظان"أنها كانت أول جمعة من رمضان سنة 479هـ . وكذلك ذكر ابن الأثير. وقيل أنها كانت في 14 رجب. والله تعالى اعلم