الناس. والعائلة كلها تحسدها على هذا التوفيق. فما الذي يعوقها عن الفرح والبهجة والاستبشار؟!
وانفضت المأدبة، وتناول الجميع الشاي والقهوة، حسب أمزجتهم وعاداتهم. واقترب موعد السينما فتهيأت للخروج. و حينما خرجت من حجرة الزينة بدت وكأنها قطعة من الفتنة تتحرك، فأحس في نفسه إحساس الغني الموفور الثراء، وهو يطالع رصيده الضخم ... أهذه كلها له؟ وانتعشت كل ذرة فيه.
ونزلا إلى الطريق ينتظران الترام. وفي المحطة لمح ضابطا شابا يحوم حولهما، فبدا عليه التضايق، وتحركت غيرته العنيفة، ولحظت هي تغير وجهه، فأدركتها خفتها الشيطانية، وقالت عابثة:
= واحد ثان!
ولم يحس لهذه الإشارة بأية وخزة. فقد كانت عيناها ونبراتها تنطق بأنها له وحده في هذه اللحظة، وأن الأنثى المتباهية بفتنتها هي وحدها التي تتكلم فيها!
فانطلقت أساريره بعض الشيء، وقال معابثا هو الآخر:
= من يدري؟!
وأقبل الترام، فركبا في مقاعد الدرجة الأولى، وكانا وحدهما. وأحس انه يملك جوهرة ثمينة وأنه حارسها. وفتح الباب الفاصل بين الدرجتين، ودخل كمسارى الترام. وهو رجل عجوز متهدم يتحامل على نفسه بجهد. دخل مطرق الرأس فنظر - كأنما إلى أقدامهما وحدها - وقطع تذكرتين ومد يده بها في فتور. وفجأة رفع رأسه وانتفض كالمأخوذ وهو يحدق في وجهها بشدة، حتى لم ينتبه إلى اليد الأخرى التي تمد له النقود، وتناول تذكرتي الترام. ثم تنبه إلى موقفه فانسحب مسرعًا وأغلق خلفه الباب! .. ونظر هو إليها، فإذا هي تغالب عاصفة من الضحك، وعيناها تدمعان، ويختلج جسمها كله في اهتزاز. فقال:
= مالك؟
قالت - في تخابث فاتن:
= عاشق آخر! أليس كذلك؟
وكانت نكتة بارعة على غيرته الشديدة، كما كانت زهو الأنثى بفتنتها التي تذهل حتى الشيوخ الفانين. وكانت لها هذه الجاذبية العجيبة حقًا. الجاذبية التي تكاد تتجرد عن الجنس .. لأن الكل يشتركون فيها: الشيخ والشاب، والرجال والنساء .. حتى الأطفال!
وطالما لحظ مثل هذه الهزة التي انتابت الكمسارى الشيخ، تنتاب الكثيرين والكثيرات ممن يلقونها في كل مكان.
لم تكن ممن يحسبهن العرف جميلات. كان تكوينها الجسدي - إذا استثنينا صدرها الفاتن - ليس ممتازًا. ولكن كانت هناك في وجهها جاذبية ساحرة. كانت خمرية اللون واضحة الجبين، وفي عينيها وهج