وما أشبه الليلة بالبارحة ، يتكالب شياطين الإنس والجن من الشرق والغرب على هذه الأمة لإذلالها ونهب خيراتها وثرواتها ، وتجريدها من خصائصها ومقوماتها ، ويوظفون لذلك كل الوسائل والإمكانات المادية والفكرية ، فقاموا بزرع كيان غريب في جسم الأمة لكي لا تستقر على حال ، ولا تهدأ من اضطراب ، ثم نظروا فأدركوا أن الأهم من كل ذلك هو إفراغ الأدمغة والعقول ، ثم إعادة شحنها من جديد بما يتلاءم مع مصالحهم وأطماعهم ، فجندوا لذلك بعض العقول وفتحوا المدارس وأتاحوا الفرص لتربية تلاميذ مخلصين غمروهم بالإنعام ، ومكنوهم من كل وسائل الأسفار والترحال والتمتع بالملذات ، ثم طيّروا لهم أسماء الشهرة والمجد وأطلقوا عليهم ألقاب العلم والفكر وأصعدوهم إلى منابر الثقافة ، ودفعوهم إلى سدة القيادة .
وإذا كان كل إناءٍ بما فيه ينضح ، فقد كانت الآنية مملوءة ، والقُرَب طافحة ، فكانت الجرائد والمجلات والصحف والكتابات تعبر عن هذا الحال الذي آل إليه أمر الأمة ، فمن طاعن في اللغة العربية لأنها لغة البدو، ومن طاعن في تاريخنا بأنه تاريخ القتل والدماء ومن طاعن في عقولنا لأنها تنتمي إلى العقل السامي الساذج ، ومن طاعن في قرآننا بأنه يتناقض مع الحفريات والآثار والتاريخ إلى آخر ما هنالك ، وهي قالات رددها الغربيون حتى ملّوا فلم يلتفت إليها أحد ، ثم رأوا أن ذلك قد يكون لأنهم موسومون بالعداوة وموصوفون بالغزاة والمستعمرين ، فاختاروا من أبناء الأمة من يقوم عنهم بتلك الهمة .