ص -11- الصفتين وتنفي الأخرى وليس في العقل ولا في السمع ما يوجب التفريق إذا كثر ما يقال إني أثبت الإرادة بالعقل لأن وجود التخصيص في المخلوقات دل على الإرادات فيقال لك انتفاء الدليل المعين لا يقتضي انتفاء المدلول فهب أن مثل هذا الدليل لا يثبت في الرحمة والمحبة فمن أين نفيت ذلك ثم يقال بل السمع أثبت ذلك أيضا وقد يسلك في إثبات ذلك نظير الطريق العقلي الذي أثبت به الإرادة فيقال ما في المخلوقات من وجود المنافع للمحتاجين وكشف الضر عن المضرورين والاحسان إلى المخلوقات وأنواع الرزق والهدى والمسرات هو دليل على رحمة الخالق سبحانه والقرآن يثبت دلائل الربوية بهذا الطريق تارة يدلهم بالآيات المخلوقة على وجود الخالق ويثبت علمه وقدرته ومشيئته وتارة يدلهم بالنعم والآلاء على جود بره وإحسانه المستلزم رحمته وهذا كثير في القرآن وإن لم يكن مثل الأول أو أكثر منه ولم يكن أقل منه بكثير كقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ} وقوله: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلا يُبْصِرُونَ} وقوله في سورة الرحمن بعد أن ذكر كل نوع من هذه الأنواع: {فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} وبالجملة ما ذكره في القرآن من الأمثال والآيات تارة يقرر نفس مشيئته وقدرته وخلقه وتارة يقرر بها إحسانه وإنعامه ورحمته
وهذه الطريقة مستلزمة للأولى من غير عكس فإنه يلزم من وجود الإحسان والرحمة وجود القدرة والمشيئة من غير عكس وقس على هذا غيره من الصفات وأمره هو أيضا مما يعلم بالسمع وبالعقل أيضا