وقوله عزوجل: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [النساء 83] .
فلما امتد الزمن بالناس، ودخل فيهم أو خالطوا من لم يقِرّ الدين في قلوبهم، وتحركت دفائن الحقد على الإسلام وأهله في قلوب اليهود والنصارى والمجوس، أخذوا يثيرون الشكوك والشبه في دلالات الألفاظ وأسانيد الأخبار، ونمت هذه البذور الفاسدة شيئًا فشيئًا حتى أصبحت تثار في مجالس العلم ومجامع الناس، بقصد وبغير قصد، فتلقفها من لا يعرف مقاصد باذريها، واتسع نطاقها حتى أصبحت تعقد لها المناظرات، وأخذ كل فريق يستخدم ما يشاء من الألفاظ وأسانيد الأخبار ويتلاعب بها، حتى نشأ ما يعرف بظنية ثبوت الخبر وقطعية ثبوته، ومن ثمَّ ظنية دلالته وقطعيتها، وهذا التصنيف وإن كان يمكن أن ينطبق على عموم الأخبار، إلا أنه لا ينطبق على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلمالصحيحة. لكنهم أجروه على الكل، فنشأ علم التأويل بالنسبة للقرآن، ومصطلحُ المتواتر والآحاد بالنسبة للسنة، وجعلوا الميزان في معرفة التأويل وتحديد المصطلح هو العقل، وجعلوه حاكمًا على القرآن -كما سيأتي- ثم قسموا الدين إلى أحكام وعقائد، وجعلوا لأدلة الأحكام ضوابط وشروطًا، ولأدلة العقائد ضوابط وشروطًا أخرى، في ضوء ما تمليه عليهم عقولهم، ويتفق مع قواعدهم وأصولهم التي هي أساسًا مبنية على أوهام عقلية.
وما كان سلف الأمة ومن تبعهم بإحسان يفسرون القرآن إلا في ضوء ما ثبت من السنة أو أقوال الصحابة وعملهم، فإن لم يجدوا عمدوا إلى اللغة العربية السليمة فأرجعوه إليها.
وكذا الحال بالنسبة للسنة، ولم يكن يعرف عندهم الحديث المتواتر ولا الآحاد، وإنما ما ثبت عندهم عملوا به إن لم يكن منسوخًا أو معارضًا بما هو أرجح منه، سواء أكان ذلك في باب الأحكام أم في باب العقائد.
وقد تصدى سلف الأمة لظاهرة التفريق بين أحاديث الأحكام وأحاديث العقائد، سواء من حيث الشروط لكلٍّ أو من حيث الاحتجاج بها، وبينوا في ذلك وجه الحق.
وهذا البحث الذي بين يديك إنما هو جمع ما قيل حول هذا الموضوع
-حجية أحاديث الآحاد في الأحكام والعقائد- سواء من جهة من يحتج بها أو من يخالفها - وتحرير الكلام في هذه المسألة وبيان الراجح إن شاء الله. وقد سرت فيه وفق المنهج التالي:
الفصل الأول: أقسام الحديث وفيه:
(أ) توطئة: وفيها بيان أقسام الحديث إجمالًا.
(ب) أقسام الحديث باعتبار طرقه: متواتر، وآحاد.
1 -تمهيد: في بيان نشأة هذين المصطلحين وتطورهما.
2 -المبحث الأول: في المتواتر وفيه:
تعريفه لغة واصطلاحًا.
شرح التعريف وبيان محترزاته.
أنواعه.
شروط الحديث المتواتر.
ما يفيده الحديث المتواتر من العلم.
وجود الحديث المتواتر.
حكم العمل به.
أهم الكتب المصنفة فيه.
3 -المبحث الثاني: في حديث الآحاد وفيه:
تعريفه لغة واصطلاحًا.
أنواعه:
أ- المشهور:
تعريفه لغة واصطلاحًا.
الفرق بينه وبين المستفيض.
أنواعه مع التمثيل لكل نوع.
أهم الكتب المصنفة فيه.
ب- العزيز:
تعريفه لغة واصطلاحًا.
التمثيل له وشرح التمثيل.