الصفحة 92 من 357

ص -114- غريمه, و لهذا يسمى غراما, و لهذا كثر و صفهم لتحمله بالشدة و الصعوبة, و إخبارهم بأن أعظم المخلوقات و أشدها من الصخر و الحديد و نحوهما لو حمله لذاب من حمله و لم يستقل به, كما هو كثير في أشعار المتقدمين و المتأخرين و كلامهم, فكان الأحسن أن يعطوا المصدر هنا الحركة القوية و المحبوب الحركة التي هي أخف منها, ومن هذا قولهم:"قبض"بسكون وسطه للفعل, و قبض بتحريكه للمقبوض, و الحركة أقوى من السكون, و المقبوض أقوى من المصدر, نظيره:"سبق"بالسكون للفعل, و سبق بالفتح للمال المأخوذ في هذا العقد, و تأمل قولهم:"دار دورانا, و فارت الدر فورانا, و غلت غليانا", كيف تابعوا بين الحركات في هذه المصادر للتابع حركة المسمى, فطابق اللفظ المعنى, وتأمل قولهم:"حجر وهواء"كيف وضعوا للمعنى الثقيل الشديد هذه الحروف الشديدة, ووضعوا للمعنى الخفيف هذه الحروف الهوائية التي هي من أخف الحروف.

وهذا أكثر من أن يحاط به, و إن مذ الله في العمر وضعت فيه كتابا مستقلا إن شاء الله تعالى.

ومثل هذه المعاني يستدعي لطاقة ذهن, ورقة طبع, ولا تتأتى مع غلظ القلوب, و الرضى بأوائل مسائل النحو و التصريف دون تأملها و تدبرها, و النظر إلى حكمة الواضع و مطالعة ما في هذه اللغة الباهرة من الأسرار التي تدق على أكثر العقول, و هذا باب ينبه الفاضل على ما وراءه { وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ} النور:40, و انظر إلى تسميتهم الغليظ الجافي بالعتل و الجعضري و الجواظ كيف تجد هذه الألفاظ تنادي على ما تحتها من المعاني, و انظر إلى تسميتهم الطويل بالعشنق, و تأمل اقتضاء هذه الحروف ومناسبتها لمعنى الطويل, و تسميتهم القصير بالبحتر, وموالاتهم من بين ثلاث فتحات في اسم الطويل وهو العشنق, و إتيانهم بضمتين بينهما سكون في البحتر, كيف يقتضي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت