الصفحة 90 من 357

ص -113- من قوة لفظه, ومناسبة تلك الحروف لذلك المعنى ثم أكشفه فأجده كما فهمته أو قريبا منه, فحكيت لشيخ الإسلام هذا عن ابن الجني, فقال: وأنا كثيرا ما يجري لي ذلك, ثم ذكر لي فصلا عظيم النفع في التناسب بين اللفظ و المعنى, ومناسبة الحركات لمعنى اللفظ, و أنهم في الغالب يجعلون الضمة التي هي أقوى الحركات للمعنى الأقوى, و الفتحة خفيفة للمعنى الخفيف, و المتوسطة للمتوسط, فيقولون:"عزَّ يعَزُّ"بفتح العين إذا صلب"وأرض عزاز"صلبة، و يقولون"عزَّ يعِزُّ"بكسرها إذا امتنع, و الممتنع فوق الصلب, فقد يكون الشيء صلبا و لا يمتنع على كاسره, ثم يقولون:"عزَّه يعُزُّه"إذا غلبه, قال الله تعالى في قصة داود: {وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ} صّ: من الآية23, والغلبة أقوى من الامتناع, إذ قد يكون الشيء ممتنعا في نفسه, متحصنا عن عدوه, و لا يغلب غيره, فالغالب أقوى من الممتنع فأعطوه أقوى الحركات, و الصلب أضعف من الممتنع فأعطوه أقوى الحركات, و الصلب أضعف من الممتنع فأعطوه أضعف الحركات, و الممتنع المتوسط بين المرتبتين فأعطوه حركة الوسط.

ونظير هذا قولهم:"ذبح"بكسر أوله للمحل المذبوح, و"ذبح"بفتحة لنفس الفعل, ولا ريب أن الجسم أقوى من العرض, فأعطوا الحركة القوية للقوي, و الضعيفة للضعيف, وهو مثل قولهم:"نِهْب"و"نَهَبَ"بكسر المنهوب, وبالفتح للفعل, وكقولهم:"مِلء"و"مَلء"بالكسر لما يملأ الشيء, و بالفتح للمصدر الذي هو الفعل, وكقولهم:"حِمْل"و"حَمْل"فبالكسر لما كنا قويا مثقلا لحامله على ظهره أو رأسه, أو غيرهما من أعضائه, والحمل بالفتح لما كان خفيفا غير مثقل لحامله كحمل الحيوان,وحمل الشجرة به أشبه ففتحوه, و تأمل كونهم عكسوا هذا في الحِب والحُب, فجعلوا المكسور الأول لنفس المحبوب, و مضمومه للمصدر, إيذانا بخفة المحبوب على قلوبهم, و لطف موقعه من أنفسهم, و حلاوته عندهم, و ثقل حمل الحُب ولزومه للمحب كما يلزم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت