ص -266- يأمره النبي صلى الله عليه وسلم ويحتمل أن تكون الصلاة نفلًا لا تجب عليه إعادتها، ويحتمل غير ذلك، فلا يترك الظاهر من الأمر وهو دليل محكم لهذا المشتبه المحتمل، والله سبحانه وتعالى أعلم.
فحديث فضالة إما مشترك الدلالة على السواء فلا حجة لكم فيه، وإما راجح الدلالة من جانبنا كما ذكرناه، فلا حجة لكم فيه أيضًا، فعلى التقديرين سقط احتجاجكم به.
قوله: لم يعلّمها النبي صلى الله عليه وسلم المسيء في صلاته، ولو كانت فرضًا لعلمها إياه، جوابه من وجوه:
أحدها: أن حديث المسيء هذا قد جعله المتأخرون مستندًا لهم في نفي كل ما ينفون وجوبه، وحملوه فوق طاقته، وبالغوا في نفي ما اختلف في وجوبه به. فمن نفى وجوب الفاتحة احتج به، ومن نفى وجوب التسليم احتج به، ومن نفى وجوب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم احتج به، ومن نفى وجوب أذكار الركوع والسجود وركني الاعتدال احتج به، ومن نفى وجوب تكبيرات الانتقالات احتج به، وكل هذا تساهل واسترسال في الاستدلال، وإلا فعند التحقيق لا ينفي وجوب شيء من ذلك، بل غايته أن يكون قد سكت عن وجوبه ونفيه، فإيجابه بالأدلة الموجبة له يكون معارضًا به.
فإن قيل: سكوته عن الأمر بغير ما أمره به يدل على أنه ليس بواجب لأنه في مقام البيان، وتأخير البيان عن وقت الحاجة غير جائز. قيل: هذا لا يمكن أحد أن يستدل به على هذا الوجه، فإنه يلزمه أن يقول: لا يجب التشهد، ولا الجلوس له, ولا السلام، ولا النية، ولا قراءة الفاتحة، ولا كل شيء لم يذكره في الحديث، وطرد هذا أنه لا يجب عليه استقبال القبلة، ولا الصلاة في الوقت, لأنه لم يأمره بهما، وهذا لا يقوله أحد.