ص -140- به بعد الذلة، وأغنى به بعد العيلة، وفتح به أعينًا عميًا, وآذانًا صمًا، وقلوبًا غلفًا، فعرف الناس ربهم ومعبودهم, غاية ما يمكن أن تناله قواهم من المعرفة، وأبدًا وأعاد، واختصر وأطنب في ذكر أسمائه وصفاته وأفعاله وأحكامه، حتى تجلت معرفته سبحانه في قلوب عباده المؤمنين, وانجابت سحائب الشك والريب عنها كما ينجاب السحاب عن القمر ليلة إبداره, ولم يدع لأمته حاجة في هذا التعريف لا إلى من قبله ولا إلى من بعده, بل كفاهم وشفاهم وأغناهم عن كل من تكلم في هذا الباب: {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} العنكبوت:51.
روى أبو داود في مراسيله, عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رأى بيد بعض أصحابه قطعة من التوراة فقال:"كفى بقوم ضلالة أن يتبعوا كتابًا غير كتابهم أنزل على غير نبيهم", فأنزل الله عز وجل تصديق ذلك: {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} العنكبوت:51، فهذا حال من أخذ دينه عن كتاب منزل على غير النبي صلى الله عليه وسلم فكيف بمن أخذه عن عقل فلان وفلان, وقدمه على كلام الله ورسوله؟.
وعرفهم الطريق الموصل لهم إلى ربهم ورضوانه ودار كرامته، ولم يدع حسنًا إلا أمرهم به, ولا قبيحًا إلا نهى عنه، كما قال صلى الله عليه وسلم:"ما تركت من شيء يقربكم إلى الجنة إلا وقد أمرتكم به، ولا من شيء يقربكم إلى النار إلا وقد نهيتكم عنه".