ص -132- كما أن نفي عن صفات الرب تعالى من النقائص والتشبيه لا يقتضي نفيه عن صفة المخلوق, ولا ما ثبت لها من الوجوب والقدم و الكمال يقتضي ثبوته للمخلوق, ولا ما ثبت لها من الوجوب و القدم والكمال يقتضي ثبوته للمخلوق, و لا إطلاق الصفة على الخالق والمخلوق, و هذا مثل الحياة و العلم, فإن حياة العبد تعرض له النسيان والجهل المضاد له, وهذا محال في حياة الرب و علمه, فمن نفى علم الرب وحياته لما يعرض فيهما للمخلوق فقد أبطل, وهو نظير نفي من نفى رحمة الرب و علمه, فمن نفى رحمة الرب عنه لما يعرض في رحمة المخلوق من رقة الطبع, وتوهم المتوهم أنه لا تعقل رحمة إلا هكذا, نظير توهم المتوهم أنه لا يعقل علم ولا حياة و لا إرادة إلا مع خصائص المخلوق.
وهذا الغلط منشؤه إنما هو توهم صفة المخلوق المقيدة به أولا, وتوهم أن إثباتها لله هو مع هذا القيد, وهذان وهمان باطلان, فإن الصفة الثابتة لله مضافة إليه لا يتوهم فيها شيء من خصائص المخلوقين, لا في لفظها ولا في ثبوت معناها, و كل من نفى عن الرب تعالى صفة من صفاته لهذا الخيال الباطل, لزمه نفي جميع صفات كماله, لأنه لا يعقل منها إلا صفة المخلوق, بل و يلزمه نفي ذاته, لأنه لا يعقل من الذوات إلا الذوات المخلوقة.
ومعلوم أن الرب سبحانه و تعالى لا يشبهه شيء منها, و هذا الباطل قد التزمه غلاة المعطلة, وكلما أوغل النافي في نفيه كان قوله أشد تناقضا وأظهر بطلانا, ولا يسلم على محك العقل الصحيح الذي لا يكذب إلا ما جاءت به الرسل صلوات الله وسلامه عليهم, كما قال تعالى: { سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ إِلا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ } الصافات:159 -160 فنزه سبحانه وتعالى عما يصفه به كل أحد إلا المخلصين من عباده, وهم الرسل ومن اتبعهم, كما قال في الآية