ص -2- المتأخِّرين من أتباع الأئمة زعم أنَّ اللَّفظ بالنيَّة واجب ولم يقل إنَّ الجهر بها واجب ومع هذا فهذا القول خطأٌ صريح مخالفٌ لإجماع المسلمين ولما عُلِمَ بالاضْطرار من دين الإسلام عند من يعلم سُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنة خلفائه وكيف كان يصلِّي الصحابة والتابعون فإنّ كلّ من يعلم ذلك يعلم أنهم لم يكونوا يتلفظون بالنية ولا أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بذلك ولا عَلَّمَهُ لأحدٍ من الصحابة.
بل قد ثبت في الصَّحيحين وغيرهما: أنَّه قال للأعرابي -المسيء في صلاته-:"إذا قمت إلى الصلاة فكبّر ثم اقرأ ما تيسَّر معك من القرآن"وفي السُّنن عنه صلى الله عليه وسلم: أنه قال:"مفتاح الصلاة الطهور وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم"وفي صحيح مسلم عن عائشة -رضي الله عنها-:"أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفتتح الصلاة بالتكبير والقراءة بالحمد لله رب العالمين".
وقد ثبت بالنقل المتواتر وإجماع المسلمين أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة كانوا يفتتحون الصلاة بالتكبير ولم ينقل مسلم لا عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من الصحابة أنه قد تلفظ قبل التكبير بلفظ النية لا سرًّا ولا جهرًا ولا أنَّه أمر بذلك ومن المعلوم أن الهمم والدواعي متوفرة على نقل ذلك لو كان ذلك وأنَّه يمتنع على أهل التواتر عادة وشرعًا كتمان نقل ذلك فإذا لم ينقله أحد علم قطعًا أنه لم يكن.
ولهذا يتنازع الفقهاء المتأخرون في اللفظ بالنية: هل هو مستحب مع النية التي في القلب فاستحبه طائفة من أصحاب أبي حنيفة والشافعي وأحمد. قالوا لأنه أوكد وأتم تحقيقًا للنية ولم يستحبه طائفة من أصحاب مالك وأحمد وغيرهما وهو المنصوص عن أحمد وغيره بل رأوا أنه بدعة مكروهة. قالوا: لو أنه كان مستحَبًّا لفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم أو لأمر به فإنه صلى الله عليه وسلم قد بين كل ما يقرب إلى الله لا سيما الصلاة التي لا تُؤْخذ