ص -610- الإنسان ليس إلا هذه البنية المخصوصة فقد أجابوا عنه بأن الإنسان مغاير لهذه البنية المشاهدة ويدل عليه وجوه:
الأول: أنا قد نفعل أنفسنا حال ما نكون غافلين عن جملة اعضائنا الظاهرة والباطنة والمعلوم مغاير لغير المعلوم.
الثاني: أني أعلم بالضرورة أني أنا الإنسان الذي كنت موجودا قبل هذه المدة بخمسين سنة وجملة أجزاء هذه البنية متبدلة بسبب السمن والهزال والصحة والمرض والباقي مغاير لما ليس بباق.
الثالث: أن المشاهد ليس إلا السطح الموصوف باللون المخصوص وباتفاق العقلاء ليس عبارة عن هذا القدر فثبت أن الإنسان ليس بمشاهد البتة.
وأما سائر الطوائف والفرق فقد ذكروا الفرق بين الشاهد والغائب من وجهين: (أحدهما) : قال الأشعري كل واحد من أجزاء الإنسان موصوف بعلم على حدة وقدرة على حدة وهذا يقتضي أن يكون هذا البدن مركبا من أشياء كثيرة وكل واحد منها عالم قادر حي وهذا مما لا نزاع فيه وأما التزام ذلك في حق الله سبحانه وتعالى فإنه يقتضي تعدد الآلهة وذلك محال فظهر الفرق الثاني: قال ابن الرواندي: الإنسان جزء واحد لا يتجزأ في القلب وهذا يقتضي أن يكون الإنسان في غاية الحقارة وذلك غير ممتنع أما لو قلنا بمثله في حق الله تعالى يلزم كونه في غاية الحقارة وذلك لم يقل بها عاقل.
وأما"السؤال الثاني"وهو قوله: لم لا يجوز أن يقال العلم ينقسم فقام بكل واحد من تلك الأجزاء جزء واحد من ذلك؟ فنقول: هذا محال لأن كل واحد من أجزاء العلم: إما أن يكون علما وإما أن لا يكون علما فإن كان الأول كان القائم بكل واحد من تلك الأجزاء علما على حدة وذلك