الصفحة 739 من 915

ص -111- فالأمر باقتحام النار للخلاص منها هو عين الحكمة والرحمة والمصلحة حتى لو أنهم بادروا إليها طوعا واختيارا ورضي حيث علموا أن مرضاته في ذلك قبل أن يأمرهم به لكان ذلك عين صلاحهم وسبب نجاتهم فلم يفعلوا ذلك ولم يمتثلوا أمره وقد تيقنوا وعلموا أن فيه رضاه وصلاحهم بل هان عليهم أمره وعزت عليهم أنفسهم أن يبذلوا له منها هذا القدر الذي أمرهم به رحمة وإحسانا لا عقوبة.

الوجه السابع عشر: أن أمرهم باقتحام النار كأمر المؤمنين بركوب الصراط الذي هو أدق من الشعرة وأحد من السيف ولا ريب أن ركوبه من أشق الأمور وأصعبها حتى أن الرسل لتشفق منه وكل منهم يسأل الله السلامة!

فركوب هذا الجسر الذي هو في غاية المشقة كاقتحام النار وكلاهما طريق إلى النجاة.

الوجه الثامن عشر: قوله:"ولا يخلو من مات في الفترة من أن يكون كافرا أو غير كافر فإن كان كافرا فإن الله حرم الجنة على الكافرين وإن كان معذورا بأنه لم يأته رسول فكيف يؤمر باقتحام النار؟".

جوابه من وجوه:

أحدها: أن يقال: هؤلاء لا يحكم لهم بكفر ولا إيمان فإن الكفر هو جحود ما جاء به الرسول فشرط تحققه بلوغ الرسالة والإيمان هو تصديق الرسول فيما أخبر وطاعته فيما أمر وهذا أيضا مشروط ببلوغ الرسالة ولا يلزم من انتفاء أحدهما وجود الآخر إلا بعد قيام سببه فلما لم يكن هؤلاء في الدنيا كفارا ولا مؤمنين كان لهم في الآخرة حكم آخر غير حكم الفريقين.

فإن قيل: فأنتم تحكمون لهم بأحكام الكفار في الدنيا من التوارث والولاية والمناكحة.

قيل: إنما نحكم لهم بذلك في أحكام الدنيا لا في الثواب والعقاب كما تقدم بيانه.

الوجه الثاني: سلمنا أنهم كفار لكن انتفاء العذاب عنهم لانتفاء شرطه وهو قيام الحجة عليهم فإن الله تعالى لا يعذب إلا من قامت عليه حجته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت