والإصلاح في الآية مطلق لا يقتصر على جهة معينة بل يشمل كل صور الإصلاح لأموالهم باستثمارها وتنميتها، وفي الوقت نفسه تشمل إصلاح اليتيم في بقية نواحيه ولو كانت غير مالية كالتربية والتهذيب, إذ أن الآية الكريمة تريد أن يكون اليتيم في نظر الآخرين كالابن أو كالأخ الصغير حيث يحتضنه الأخ الكبير، ويحوطه بعنايته فهو يقوم برعايته من النواحي المالية، والأخلاقية، ويخالطه ويعاشره لا طمعًا منه في أموال الصغير، بل لرعايته، وتوجيهه بحسن نية، وإخلاص ممزوجين بعطف أخوي {وَاللّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ} .
ولم تقتصر الآيات الكريمة في مقام التهديد على النهي عن التجاوز، وأكل مال اليتيم، والوعيد بالعذاب الأخروي بل سلكت طريقًا آخر مستوحىً من الواقع الحياتي الذي يعيشه الفرد في كل يوم. إن هذه الطريقة الجديدة تتمثل في تنبيه المتجاوزين بأنهم لو ظلموا اليتامى، وتجاوزوا على حقوقهم، فليحذروا أن يكون جزاؤهم نفس ما عملوه مع اليتيم، والجزاء من جنس العمل , فلينتظروا يومًا يعامل فيه أيتامهم بنفس الطريقة التي أساؤوا بها إلى أيتام الآخرين. قال تعالى: {وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا} [النساء: 9]
المرحلة الثانية: حقوق الأولياء والأوصياء:
لم تقف الشريعة في أثناء مرحلة ولاية الولي على اليتيم في وجه الولي لتمنعه من تناول شيء من المال جزاء أتعابه، ورعايته في هذه المدة، بل سمحت له بذلك إلا أنها قيدته بما يقتضيه الحال لرعاية حال اليتيم الذي يكون في الغالب محتاجًا إلى ما يدخر له من مال.
تقول الآية الكريمة: {وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّىَ إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَاكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَن يَكْبَرُوا وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَاكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللّهِ حَسِيبًا} [النساء: 6]
فالآية الكريمة صنفت الأولياء إلى قسمين:
الأول: وليٌّ غنيٌّ له من المال ما يكف نفسه عن تناول شيء من أموال اليتيم. وقد خاطبت الآية هذا النوع من الأولياء بقوله تعالى: (فليستعفف) .
والاستعفاف في اللغة هو: الامتناع عن الشيء. والإمساك عنه، فهي إذًا تخاطب الأغنياء بترك أموال اليتامى وعدم أكلها لا قليلًا ولا كثيرًا، فالغني قد أعطاه الله من المال ما كفاه عن التطلع إلى أموال هؤلاء الضعفاء؟ وكيف تتم حلقة التكافل الاجتماعي والتضامن إذا كان الغني يلاحق هؤلاء الصغار الذين فقدوا من يكفلهم ليضيف إلى مخزونه المالي ما يتقاضاه لقاء عَمَله لرعاية الأيتام؟. فمن الأفضل للولي الغني أن يبتغي وجه الله تعالى فيما يقدمه من خدمة ورعاية ,وله بذلك أعظم