فرق بين أن يؤلف الإنسان كتابًا فينقل الأقوال ويجمعها في الباب ، وأن يأتي إلى الأقوال فينتقدها ويناقشها ، ويأخذ الصحيح منها ويترك الضعيف ،ويستفيد من العبارات ويقوم المعوج منها ، ويثني على الطيب ويعقب على الواهن والضعيف ، وهذا ما يفعله ابن تيمية ؛ فإنه لا يقبل القول على عواهنه ، بل يناقش الأقوال عبارة عبارة ، وفصلًا فصلًا ، ويشيد بالحسن الجميل ،ويرد الواهي الهزيل ، وتجدد يتجرأ حتى على الأكابر في كثير من المسائل ،ويبين الوهم فيكل مسالة ، ويجمع أطراف الموضوع ، ويأخذ المعلومة فيوظفها هو بعبارته ويكسوها بجلباب جملة القوية الآسرة الأخاذة ؛ فإن له قاموسًا خاصًا ، فيه من الجلالة والفخامة والإشراف ما أمتاز به هذا الرجل ، فكأنه شاعر موهوب عبقري يمتاز عن بقية الشعراء ، وكذلك كان ابن تيمية في المؤلفين ، له رونق خاص ، وديوان متفرد يعلم أنه من كلامه لجلاله حديثة وسمو عباراته .
ابن تيمية ومسألة التوحيد
من أعظم المسائل التي يجب البحث فيها والكلام عنها مسألة التوحيد الذي بعث الله به أنبياءه ورسله عليهم الصلاة والسلام ،وقد أحسن ابن تيمية كل الإحسان في هذه المسألة ، فاستولت على جل حديثة وكتاباته ورسائله وتأليفه ، واعتنى بها كل العناية ؛ لحاجة البشر غليها ، فالله - عز وجل - لم يرسل الرسل أصلًا ولم ينزل الكتب إلا لتقريرها ، فبسطها شيخ الإسلام بأنواعها كتوحيد الربوبية ، وتوحيد الألوهية ، وتوحيد الأسماء والصفات ، وتحدث عن أفعاله سبحانه وتعالى ، وتحدث عن مسألة الشرك بأقسامه وبينها برسائل ومؤلفات ، وبسطها فبعدة مواطن ، ونوع الأساليب فيها ؛ لأنه يعلم أنها أصيل الأصول وأنها أكبر المائل وأنها أعظم القضايا ، فهو بحق منظر أهل السنة والجماعة في ماله التوحيد ، وهو إمامهم من عصره فما بعده في قضية المعتقد ، وهو الذي أقام هذا الفن وشرحه ودافع عنه وناظل عن قضاياه وبين الحق في ذلك.
ابن تيمية ومسألة التاريخ