ومن ثم أنطلقت تلك الصورة المدمرة في كل أنحاء العالم توحي بالتفكك والتحلل والتمزق والضياع. ولقد صدق جاك بيرك حين قال أن الوجودية ظاهرة زمنية عابرة لن يلبث الإنسان أن يتخطاها، وهي ليست روحًا"وأنا لا أستنتج منها نتيجة متشائمة بل واقعًا يجب أن يعترف به"وهي في تقديرنا علامة على دخول أزمة الإنسان المعاصر في مرحلة الانحدار، ودخول أوروبا والغرب والفكر الغربي كله مرحلة التمزق الذي فرضته عليه الفسلفة المادية التي قادها فلاسفة اليهود التلموديين، وإن كانت لا تخلو من تمثل أخطر ما أطلقته التعبيرات المسيحية حول نظرية"الخطيئة الأصلية"ذلك السوط الذي ما زال يلهب ظهور الفريقين ويسوقهم إلى الدمار النفسي.
ولا ريب أن فلسفة سارتر الوجودية الملحدة هي بديل"الإيمان"الذي عجز الغرب عن الحصول عليه عجزًا مطلقًا، ولا ريب أن البشرية حين انطلقت لترسم لنفسها طريقًا بعيدًا عن طريق الله فإنها ستظل تائهة في مضارب الصحراء، وما دام الإنسان قد شرع لنفسه ورفض الأسس التي قدرها الحق تبارك وتعالى لينظم المجتمع البشري فإنه ليس هناك قواعد ما يمكن أن تفرق بين الحق والباطل ذلك تداخلت أهواؤه ومطامعه وشهواته، وأصبحت الأمور كلها نسبية وليس لها ضوابط أو حدود أو قيم ثابتة راسخة تحاكم إليها، أو ليس هناك من نقطة بداية ونقطة نهاية وإنما يصبح الكون دائرًا في دوامة لا نهاية لها ولا غاية منها وقد جهل الإنسان سر وجوده وهدفه في الحياة ورسالته في الأرض ومسئوليته وجزاءه وحسابه وتلك هي الحيرة التي تذوب فيها البشرية نفسها اليوم بعد أن خالفت عن منهج الله. ومن ثم تصبح حياة الإنسا نليس بها طعم، حياة القلق والتمزق والألم والإحساس بالغثيان والضياع، ذلك أنها فقدت المعنى الذي وضعه الحق تبارك وتعالى لها، والذي هو سر الحياة نفسها، الأمل والإيمان والهدف والمسئولية والرسالة التي وجد الإنسان من أجلها في الحياة.