مصلحة تظهر لذي رأي إلا اتباعهم لمواقع الأحكام ومعانيها، فإذا لاح لهم المعنى وسلم عن المعارضة تبين أنه متلقى من أصول الشريعة، وليس حائدًا عن المآخذ المضبوطة.
وهذا الذي نقول إن النص دل عليه هو نص كلام الجويني في موضع قريب من هذا فقد قال عن الصحابة:"أنهم كانوا يتلقون معاني ومصالح من موارد الشريعة يعتمدونها في الوقائع التي لا نصوص فيها، فإذا ظنوها، ولم يناقض رأيهم فيها أصل من أصول الشريعة أجروها" [1] .
3 -أن الزيادة التي بين المعكوفين قد وردت في نسخة أخرى كما أشار المحقق، وهي تفيد المعنى السابق آنفًا وكذلك النص الذي نقله"شلبي"، فما أورد المحقق يفيد أن الحذاق من الأصوليين ردوا الاستدلال الذي لا يستند إلى أصل، وذلك لأن صاحبه لا يأمن وقوعه في الخطأ، وكذلك النص الآخر يفيد المعنى نفسه وهو أن الحذاق ردوا إلى أصل معين لأن صاحبه يأمن وقوعه في الخطأ.
وهذا معنى ما قلته آنفًا أن المعنى متسق على كلتا القراءتين، والنصوص الأخرى تؤكد ذلك كما أسلفت، ولا نكتفي بما نقلناه، من البرهان، بل نشير إلى ما نقله صاحب تعليل الأحكام في كتابه حيث نقل كلام الجويني من أن الصحابة"كانوا يرسلون الأحكام ويعلقونها في مجالس الاستشوار بالمصالح الكلية" [2] ويقصد الجويني بالمصالح الكلية الشريعة التي دلت عليها النصوص، فلا بد من البناء على أصل شرعي إذًا ..
ومن هنا نعلم فساد قول المؤلف:"بقي أن يقال أن الصحابة - رضي الله عنهم - عللوا بالمصالح ابتداء من غير تقييد بأصل معين يردون إليه الحوادث، وهؤلاء (يعني الأصوليين) عنوا عناية تامة بالبحث عن الأصول المعينة، بل كانوا"
(1) البرهان: مسألة 760.
(2) تعليل الأحكام 152.