كلمة في التعريف بالمكي والمدني وذكر خصائص كلّ منهما:
يحسن بنا أن نعرض ابتداءً لمفهوم المكي والمدني وبعض مسائل تتصل به؛ ليكون تمهيدًا لدراستنا هذه.
تباينت وجهات نظر أهل الشأن في مفهوم المكي والمدني، فنظر إليه بعضهم من زاوية المكان، فقال: ما نزل من القرآن الكريم في مكة فهو مكي، وما نزل منه في المدينة فهو مدني [1] .
وهذا التوجُّه محلُّ نظر عند أهل التحقيق؛ لأنه يُفضي إلى خروج آيات عدة من هذين الوصفين، فقد صح أن ثمة آيات نزلت في غير مكة والمدينة، فقد نزل في تبوك على سبيل المثال قول الله تعالى: {لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} [التوبة: 42] ، وقوله تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ} [التوبة: 65] ، وغير هذا ليس بالقليل.
إن هذا التعريف غير جامع، ويُفْضي إلى القول بأن في القرآن ما ليس مكيًا ولا مدنيًا، وهو ما رأيناه في تقسيم ابن النقيب [2] ، حين قال: (( ومنه ما
(1) انظر: الإتقان في علوم القرآن، ج 1 ص 9، مناهل العرفان، ج 1 ص 186.
(2) الإتقان، ج 1 ص 9.