وما يعضد هذا الرأي ما أجمع عليه الباحثون في نشأة الدلالة على أنها بدأت بالمحسوسات ثم تطورت إلى الدلالات المجردة بتطور العقل الإنساني ورقيه، فكلما ارتقى التفكير العقلي جنح إلى استخراج الدلالات المجردة وتوليدها والاعتماد عليها في الاستعمال. [1]
ثانيًا: الدلالة في تعريفات العلماء المحدثين:
(المصطلح والأبعاد) أو (الماهية والمشروع) :
لقد حدث تطور كبير في مفاهيم المصطلحات القديمة في العصر الحديث، واتخذت أبعادًا أخرجتها من تلك الدراسة"الأولية"ووسعت مجال البحث فيها، ومصطلح"الدلالة"هو من ضمن تلك المصطلحات التي تبلورت مفاهيمها في العصر الحديث وشملت الدراسة فيها ميادين عدة من حياة الناس، بل أضحت ملتقى لاهتمامات كثير من المعارف الإنسانية الحديثة، بدءًا بعلم النفس ثم علم الاجتماع والمنطق وعلوم الاتصال والإشارة. وإن هذه الصورة التي برز فيها علم الدلالة كأساس لعدة معارف حديثة هي نتاج للدراسة اللغوية المتخصصة ذلك"أن معالجة قضايا الدلالة بمفهوم العلم، وبمناهج بحثه الخاصة وعلى أيدي لغويين متخصصين إنما تعد ثمرة من ثمرات الدراسات اللغوية الحديثة." [2]
وتبعًا لاتساع مجالات البحث الدلالي الحديث، فلم تعد الدلالة حكرًا على النظام اللغوي وحسب، وإنما شملتها أنظمة سيميولوجية أزاحت الهيمنة اللغوية بل صارت معها في البحث جنبًا إلى جنب، ومع ذلك بقيت اللغة إحدى أنجع وسائل نظام الإبلاغ والتواصل والخطاب، وأقدرها على الإطلاق على التجديد والتطور والتكيف بل لا مندوحة من القول أن الأنظمة السيميولوجية التي تتخذ العلامة المطلقة كمدخل أساسي لأي مستوى من مستويات الدراسة الدلالية، لا تستغني في الأحوال الغالبة عن اللغة خاصة على مستوى القراءة التعليلية التبيينية.
(1) إبراهيم أنيس، انظر ذلك في كتاب دلالة الألفاظ، ص158.
(2) د.أحمد مختار عمر، علم الدلالة، ص22.