قال عباس بن مرداس السلمي في غزوة حُنين:
أبلغْ هوازنَ أعْلاها وأسفَلها ... منّي رسالةَ نُصْحٍ فيه تِبْيانُ
أني أظنُّ رسولَ اللهِ صابِحكُم ... جيشًا لهُ في فَضاءِ الأَرْضِ أركانُ
فيهم أخوكم سُلَيم غيرَ تاركِكُمْ وفي عِضَادته اليُمنى بنو أسدٍ تكاد ترجُف منه الأرض رَهبتَه ... والمسلمُون عبادَ اللهِ غسَّانُ
والأجْرَبان بنو عَبْسٍ وذُبيانُ
وفي مُقدَّمه أوْسٌ وعُثْمانُ [1]
لقد كانت البداوة والجلافة متأًصّلة في القبائل القاطنة إلى الشرق والشمال الشرقي من المدينة، وكانت الطّباع تختلف وتتباين بين هذه القبائل وبين تلك في غرب المدينة.
لقد أثّر التعامل مع الأنعام، في طباع كل قبيلة، فقبائل الحجاز الأوسط، مثل جهينة، وضمرة، وأسلم، وغفار، وبكر، وخزاعة، وقريش تقوم بتربية ورعي الأغنام أكثر من الإبل، وقد أدّى ذلك إلى لطافة طباعهم، ورقّة مشاعرهم، ولذا قال - صلى الله عليه وسلم:"مامن نبي إلا ورعى الغنم، قالوا: وأنت يارسول الله!، قال: نعم، كنت أرعاها على قراريط في جبال مكة" [2] .
أما القبائل الشرقية من المدينة، فيغلب عليها رعي الإبل، وهي بشموخها، وقوتها، وكبريائها، تصبغ من يتعامل معها بصفاتها, قال - صلى الله عليه وسلم:"والفخُر والخُيلاء في أصحاب الإبل، والسَّكينةُ والوقارُ في أصحاب الشَّاء" [3] .
لقد عانى - صلى الله عليه وسلم - مع هذه القبائل الشرقية، أكثر مما عاناه مع
(1) ابن هشام 4/ 441. وقال ابن إسحاق: أوْس وعثمان: قبيلا مزينة.
(2) البخاري مع الفتح 9/ 488 (5453) كتاب الأطعمة، باب الكباث، وهو ورق الأراك؛ مسلم 3/ 1621 (2050) .كتابا الأشربة، باب: فضيلة الأسود من الكباث.
(3) مسلم 1/ 73 (52) . كتاب الإيمان، باب تفاضل أهل الإيمان فيه، ورجحان أهل اليمن فيه حديث الباب رقم 91.