فهرس الكتاب

الصفحة 6 من 46

نقول إن الحقيقة هي عكس ذلك . فليس في عالم الحقائق تطابق بدون تمييز ولا وحدة بدون تعدد . فليس إذا في الوحدة المثلثة الأقانيم ما يناقض العقل بديهيا بل بالعكس أن الفلسفة القديمة والحديثة تشير ضررورة إلى فكر كهذا لمن أراد الاعتقاد بإله حقيقي .

وقد أثبتت لنا الفلسفة الحديثة بالخصوص أن النسبة والتناسب هما قوام الكينونة . وليت شعري هل النسبة سوى تمييز أو تعدد في الوحدة ؟ فكلما عظم التناسب كانت الحقيقة أتم ونوع الوحدة

أسمى . وبالعكس ـ إذا أردنا أن نتصور وحدة بدون تمييز يكون الفكر مجرد خيال وهمي كالنقطة الهندسية لا مقاس لها بل هي فكر مجرد كالصفر . وقد قال هيجل الفيلسوف الشهير إن كائنا من هذا القبيل هو في الحقيقة غير كائن . وأن الوجود والعدم في هذه الحالة سيان .

فهل ننسب إلى الله أضعف أنواع الوجود وأفرغها دلالة ونقول أنه كائن غير متميز الوحدة ؟ أم نقول عنه أنه أسمى الكائنات وأرفعها وأغناها ؟ ـ فلا شك إذا أن لوحدة الله تناسبا في الجوهر ولكن ليس مع العالم المحدود أو مع كائن آخر خلافه لأن تناسبا كهذا يجعل المخلوق إلها ثانيا فالتناسب الجوهري الأزلي إذا يجب أن يكون داخليا أي ضمن وحدة الله ذاته . وهذه الوحدة يجب أن تكون ذات تنوع وامتيازات لئلا تكون فكرا مجردا . ولا يجب أن الوحدة الإلهية تكون متممة فقط لبعض المقتضيات العقلية من مثل فرض علة مطلقة غير معلولة وهو منتهى ما وصل إليه علم"الكلام"في الدين الإسلامي على ما يظهر .

ونتقدم الآن إلى أبعد من ذلك لنبين كيف أنه بمقدار التمييز أو التنوع في الوحدة تكون تلك الوحدة سامية . وإذا تمكنا من إثبات هذا نكون قد أثبتنا القول بأن الله الذي هو أسمى الكائنات وحدة هو أسماها أيضا في التنوع الأزلي .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت