وإذا ادعى المسلم أن الذات شئ والصفات شئ آخر وأن ذات الله منزهة عن الوقت حالة أن صفاته يجوز أن يكون لها تعلق بالحوادث بدون أن يمس ذلك بتنزهه تعالى ـ نقول أنه قد يمكن أن يكون في هذا الرأي شئ من الصحة ولكنه يتناول الفكر في حد ذاته أي فكر الإنسان لا الإله فقط . فقد ذهب الفلاسفة إلى أن في ذات الإنسان شيئا منزها عن الزمن والدليل على ذلك أنه لو لم تكن الأعمال والأفكار والذات نفسها داخلة في الحيز الزمني لاستحال على الإنسان تمييز الحوادث ولتعذر عليه أن يفرق بين الأمور فيندفع إذ ذاك مع تيار الحيز الزمني بدون فكر أو إدراك كما تندفع أوراق الشجر بمجرى النهر . فلا بد إذا هنالك من وجود نقطة ثابتة منزهة عن الزمن تمكن الإنسان من تمييز ما هو غير ثابت ولا بد له من موقف منزه عن الزمن ليدرك به الزمن . وما يصدق على الله يصدق أيضا على روح الإنسان . وهذا الفكر يعين على إدراك عقيدة التجسد إذ أنه يثبت أن في الإنسان اعتبارا غير زمني هو أساس ذاته ولعله كان حلقة الاتصال بين الطبيعتين الإلهية والزمنية في شخص الكلمة المتجسدة يسوع المسيح .
والخلاصة أن التجسد هو وجهة خاصة من وجوه المشكلة العامة بل إنما هو من توابع الترتيب الذي تنازل الله بموجبه فقيد نفسه عند خلقه العالم وسنه ناموسا لإرادته.
الاعتراض الخامس
وهو قولهم أن التجسد ينسب الضعف والمسؤولية إلى الله تعالى .
لا يأذن لنا الوقت أن نطيل الكلام على هذا الاعتراض ولكننا سنبحث فيه بالإسهاب عند الكلام عن الكفارة . فيكفي أن نتذكر هنا:
(1) أن المفعولية في حد ذاتها هي من الصفات اللازمة للفاعلية . ولذلك لا بد للإله الحي من الاتصاف بها . وقد أثبتنا سابقا أن إله المسيحيين المثلث الأقانيم هو متصف بكلتا الفعلية والمفعولية في ذاته وهذا يدحض زعم الذين يقولون أن الكفارة تقتضي المفعولية .