(2) على أننا إذا سلمنا بأن الله يتراءى لأذهاننا كأنه مقيد بحدود مكانية حالة كونه منزها عنها بطريقة لا تدركها العقول وإن ذلك التراءي ينطوي على شئ من الحقيقة أمكننا أن نتدرج من ذلك إلى القول بأن في الإمكان ظهور بهاء الله لعين البشر ظهورا إمكانيا محسوسا بحيث لا يكون ذلك الظهور صورة خيالية فقط بل صورة تدركها الحواس . وبعبارة أخرى أن الله يستطيع أن يظهر بجزء معين من الحيز أكثر من غيره بدون أن يحصر في ذلك المكان . ومن ذا الذي ينكر إمكان ذلك ؟ ألسنا نقول أحيانا ونشعر أن الله"معنا"؟ وهل ينكر أحدا أنه سبحانه وتعالى تراءى للبشر قديما بصورة نور أو سحابة أو عمود دخان وجعل القوم يعتقدون بحضوره في ذلك المظهر المكاني ؟ وفضلا عن ذلك ـ هل يعتقد أحد أن ظهوره تعالى في ذلك المظهر استنفذ كل حضوره بحيث لم يعد في الإمكان أن يكون حاضرا في موضع آخر ؟ إن موسى رأى النار في العليقة وسمع صوتا يناديه منها . واسرائيل رأى السحابة النارية في قدس الأقداس وكلاهما سجد معتقدا أن الله حاضر فيما رآه (وذلك كان الواقع) ولكن لم يخطر ببال أحد منهما أن السموات كانت لحظتئذ خالية من حضور الله بل وجدا نفسيهما بإزاء سر غامض ذي وجهتين متناقضتين ظهرا لاحقا .
وكذلك القول في ملاك الحضرة .
والإسلام عالم بهذه الغوامض قدر علم النصرانية بها . فقد جاء في حديث عن النبي أنه شعر مرة بأصابع الله على رأسه . فقوله شعر بتلك الأصابع بمثابة قوله (شعر) بها في مكان معين .