الاعتراض الثالث
والاعتراض الثالث هو قولهم أن الاعتقاد بالتجسد يقيد الله بالحدود المكانية .
إن علاقة الله بالمكان وصفة حدود المكان في حد ذاتها من الأمور الخارجة عن حدود التصور . وقد حاول الفلاسفة مرارا أن يحددوا المكان أو يبينوا ماهيته فلم يستطيعوا . فذهب بعضهم إلى أنه شئ حقيقي وآخرون أنه اعتبار مجرد وزعم غيرهم أنه قيد لازم تتجلى فيه الحواس ويتعلق وجوده عليها أي أنه لا وجود للمكان إلا باعتبارها . فهو والحالة هذه وجهة لازمة لحصول الإدراك أو الشعور . ومهما يكن فإن هذا يظهر لك جهل الذي يحاولون أن يتفلسفوا في تبيان علاقة الله بحدود المكان وإظهار ما إذا كان الله تعالى يملأ حيزا أو هو منزه عنه أو متعال عليه . وغاية القول أننا نشغل حيزا ولله تعالى علاقة بنا فله تعلق إذا بالحيز بوجه من الوجوه وليس في وسع الإنسان أن يشرح كيفية ذلك على الإطلاق .
وليت شعري من ذا الذي يستطيع أن يبين كيف يثبت الله علاقته بالحيز المكاني وكيف يحل في ذلك الحيز . وما هي الطريقة لذلك ؟
(1) نرى أولا أن تنازل الله للخلق والتعلق والوحي قد اقتضى ضرورة نسبة الاعتبارات المكانية إليه . بل إن نفس أفكارنا وأقوالنا وأفكار الوحي وأقواله تشهد لهذه الحقيقة . ذلك باعتبار إعلانه لنا بعض الأمور كإشارته إلى"العرش"و"السماء"و"إرسال رسول"و"الرؤية"و"السماع"وغير ذلك من الأمور المنسوبة إليه تعالى فإن لكل من هذه الإشارات وأمثالها تعلقا بالحيز المكاني يمثل لنا صورا مكانية .