الربوبية والألوهية وقهره ، وبنفي الأكل والشرب المتضمنين كمال صمديته وغناه وبنفي الشفاعة عنده عزوجل إلا بإذنه المتضمن كمال توحده وغناه عن خلقه ، وبنفي الظلم المتضمن كمال عدله وغناه ولهذا لم يمدح عزوجل بعدم محض لم يتضمن أمرا ثبوتيا لأن المعدوم يشارك الموصوف في ذلك العدم ولا يوصف الكامل بأمر يشترك هو والمعدوم فيه فلهذا فإن قوله عزوجل: { لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ } يدل على كمال عظمته وأنه أكبر من كل شيء وأنه لكمال عظمته لايدرك بحيث يحاط به وإن رئي لأن الإدراك هو الإحاطة بالشيء وهو قدر زائد على الرؤية كما يدل على ذلك قوله سبحانه: { فَلَمَّا تَرَاءى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ } .
{ قَالَ كَلَّا} (1) فموسى عليه السلام لم ينف الرؤية وإنما نفى الإدراك والرب عزوجل يرى ولا يدرك كما يعلم ولايحاط به علما بل الشمس هذه المخلوقة لايتمكن رائيها من إدراكها على ماهي عليه وكذلك السماء فإن الرائي يقلب فيها بصره ولا يتمكن من الإحاطة بها والله عزوجل أعظم من ذلك كله .
ومما استدل به منكرو الرؤية أيضا قوله عزوجل لموسى: { لَن تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي } .
ووجه استدلالهم . أن لن كلمة تدل على التأبيد كما هو مشهور في كتب اللغة عن الزمخشري المعتزلي ومن نحا نحوه . وذلك ليس بسديد من وجوه .
أولًا: دعواهم تأبيد النفي بلن وأن ذلك يدل على نفي الرؤية فاسد وباطل
1_ الشعراء 63 .
والدليل على فساده وبطلانه قوله عز من قائل في صفة اليهود: {وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا } (1) لأنهم يتمنون الموت يوم القيامة بدليل قوله تعالى: {وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ } .
ثانيا: أنها لو كانت تفيد التأبيد لما كان يحسن ذكر لفظ الأبد بعدها إذ يكون ذكره بعدها تكرارًا والأصل عدمه ولكن ذكر الأبد بعدها واقع في أفصح الكلام قال عزوجل: { وَلَن تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا } وقال تعالى: { وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا } .
ثالثا: أنها لو كانت للتأبيد لم يقيد منفيها باليوم في قوله عزوجل: { فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا } .