ويظهر من هذه المواقف ورع الصديق في المال العام، فقد ترك هذا الخليفة العظيم تجارته وتخلى عن ذرائع كسبه اشتغالًا عنها بأمور المسلمين وقيامًا بوظائف الخلافة فيضطر الى أخذ نفقته من بيت المال بما لايزيد عن الحاجة الى سد الجوع وستر العورة، ثم هو يؤدي للمسلمين خدمة هيهات أن تؤدي حقها الخزائن ولما أشرف على وفاته، وعنده فضلة من مال المسلمين وهي ذلك المتاع الحقير، يأمر بردها الى المسلمين ليلقى ربه آمنًا مطمئنًا، نزيه القلب، طاهر النفس، خفيف الحمل إلا من التقوى، فارغ اليدين إلا من الايمان، إن في هذا لبلاغًا وانها لموعظة لقوم يعقلون [1] . كما أن ماقام به من الوصية بتعويض بيت مال المسلمين بأرضه المذكورة مقابل ماأنفق على نفسه وعياله منه، وكان ورعًا منه ورغبة في أن يكون عمله في الولاية تطوعا وخالصًا لله تعالى بعيدًا عن أي حظ من حظوظ الدنيا.
وقد استمر مرض أبي بكر مدة خمسة عشر يومًا حتى كان يوم الإثنين ليلة الثلاثاء في الثاني والعشرين من جمادي الآخرة سنة ثلاث عشرة للهجرة، قالت عائشة -رضي الله عنها-: إن أبا بكر قال لها: في أي يوم مات رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت في يوم الإثنين، قال: إني لأرجو فيما بيني وبين الليل، قال: ففيم كفنتموه؟
(1) أشهر مشاهير الاسلام (1/94) .