وعندما قدم أهل اليمن على المدينة ودخلوا المسجد على أبي بكر، فلما سمعوا القرآن، أقشعرت جلودهم من خشية الله، وجاشت أنفسهم، وجعلوا يبكون خاشعين، فبكى أبو بكر وقال: هكذا كنا ثم قست القلوب [1] ، وعندما رأى ذو الكلاع الحميري الصديق وجده شيخًا نحيلًا، معروق الوجه، وعليه ثوب خشن ولاشيء يسطع من ثيابه!، لاشيء على الإطلاق غير الورع يفيئ وجهه الأبيض، وكان ذو الكلاع قدم على الصديق من اليمن ومن خلفه ومن حوله ألف عبد من الفرسان، وعلى رأسه التاج، وعلى حلته الجواهر المتلألئة، وبردته تسطع بخيوط الذهب المرصع باللآلي، والياقوت والمرجان، فلما شاهد ماعليه الصديق من اللباس والزهد والتواضع والنسك وماهو عليه من الوقار والهيبة تأثر ذو الكلاع ومن معه من السادة فذهبوا مذهب الصديق ونزعوا ماكان عليهم [2] ، وقد تأثر ذو الكلاع بالصديق وتزيّا بزيِّه حتى إنه رُئي يوما في سوق من أسواق المدينة، على كتفيه جلد شاة، ففزعت عشيرته، وقالوا له: فضحتنا بين المهاجرين والأنصار! قال: فأردتم أن أكون جبارًا في الجاهلية، جبارًا في الإسلام؟ لاها الله (أي لاوالله) لاتكون طاعة الرب إلا بالتواضع والزهد في هذه الدنيا [3] .
وصنعت ملوك اليمن كما صنع ذو الكلاع الحميري، فتخلوا عن التيجان المثقلة بالجواهر، وتركوا حلل المخمل الموشي بخيوط الذهب والياقوت والدر والمرجان واشتروا من سوق المدينة ثيابا خشنة ووضع الصديق في بيت المال ماتخلوا عنه جميعًا من نفائس [4] .
(1) الصديق أول الخلفاء، ص114؛ أبوبكر، للطنطاوي ، ص218.
(2) مروج الذهب للمسعودي (2/305) .
(3) نفس المصدر (2/305) .
(4) الصديق أول الخلفاء، ص137،138.