عاش الصديق رضي لله عنه بين المسلمين كخليفة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان لايترك فرصة تمر إلا علم الناس وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر، فكانت مواقفه تشع على من حوله من الرعية بالهدى والإيمان والأخلاق فمن هذه المواقف:
أ-حلبه للأغنام، والعجوز العمياء، وزيارة أم أيمن:
كان قبل الخلافة يحلب للحي أغنامهم، فلما بويع له بالخلافة قالت جارية من الحي: الآن لايحلب لنا منايح (أغنام) دارنا فسمعها أبو بكر فقال: لعمري لأحلبنها لكم، وإني لأرجو ألا يغيرني مادخلت فيه عن خلق كنت عليه، فكان يحلب لهنَّ، وكنَّ إذا أتينه بأغنامهنّ يقول: أنضح أم ألبد؟ فإن قالت انضح باعد الإناء من الضرع حتى تشتد الرغوة، وإن قالت ألبد أدناه منه حتى لاتكون له رغوة، فمكث كذلك بالسُّنح ستة أشهر ثم نزل إلى المدينة [1] .
ففي هذا الخبر بيان شيء من أخلاق أبي بكر الصديق رضي لله عنه، فهذا تواضع كبير من رجل كبير، كبير في سنه، وكبير في منزلته وجاهه، حيث كان خليفة المسلمين، وكان حريصًا على أن لاتغير الخلافة شيئًا من معاملته للناس وإن كان ذلك سيأخذ عليه وقتا هو بحاجة إليه، كما أن هذا العمل يدلنا على مقدار تقدير الصحابة رضي الله عنهم لأعمال البر والإحسان وإن كلفتهم الجهد والوقت [2] .
(1) ابن سعد في الطبقات (3/186) وله شواهد، فإسناده حسن لغيره.
(2) التاريخ الاسلامي (19/8) .