وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين فبايعوا أيهما شئتم -فأخذ بيدي ويد أبي عُبيدة بن الجراح وهو جالس بيننا- فلم أكره مما قال غيرها، والله أن أقدّم فتضرب عنقي لايُقرِّبني ذلك من إثم أحب إليَّ من أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر، اللهم إلا أن تُسَوِّل إليَّ نفسي عند الموت شيئًا لاأجده الآن.
فقال قائل من الأنصار: أنا جُذيلها المحكَّك، وعُذيقُها المرجَّب [1] ، منا أمير ومنكم أمير يامعشر قريش، فكثر اللغط، وارتفعت الأصوات، حتى فرقت من الاختلاف فقلت: أبسط يدك يا أبا بكر، فبسط يده، فبايعته وبايعه المهاجرون ثم بايعته الأنصار [2] .
وفي رواية أحمد:... فتكلم أبو بكر رضي لله عنه فلم يترك شيئًا أنزل في الأنصار ولاذكره رسول الله صلى الله عليه وسلم من شأنهم إلا وذكره، وقال: ولقد علمتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لو سلك الناس واديًا وسلكت الأنصار واديًا سلكت وادي الأنصار، ولقد علمت ياسعد [3] أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وأنت قاعد: قريش ولاة هذا الأمر فَبَرُّ الناس تبع لبّرِّهم، وفاجر الناس تبع لفاجرهم، قال فقال له سعد: صدقت نحن الوزراء وأنتم الأمراء [4] .
رابعًا: أهم الدروس والعبر والفوائد في هذه الحادثة:
1-الصديق وتعامله مع النفوس وقدرته على الإقناع:
(1) الجزيل عود ينصب للإبل الجَربَي لتحتك به والمحكك الذي يحتك به كثيرًا، أراد أن يستشفى برايه، والعذيق النخلة: أي الذي يعتمد عليه.
(2) البخاري، كتاب الحدود رقم 6830.
(3) يعني سعد بن عبادة الخزرجي رضي لله عنه.
(4) مسند أحمد (1/5) ؛ الخلافة والخلفاء، البهنساوي، ص50.